عام

قصة أم واجهت العيلة بالصمت…

قصة أم واجهت العيلة بالصمت… فكســ,رتهم جميعًا

في الصباح التالي كان الهاتف لا يتوقف عن الرنين.

مقالات ذات صلة

لكنني لم أجب لأنني كنت قد قررت بالفعل.

لم يكن قرارا عاطفيا ولا اندفاعا لحظة غضب

بل شيئا أشبه بالنور الخافت الذي يتسلل بعد عاصفة طويلة.

قرار صامت يشبه التنفس بعد الغرق.

وضعت الهاتف على الطاولة ونظرت إلى ليلي النائمة.

كانت صغيرة نحيلة تتنفس بعمق وشعرها المبلل لا يزال يحمل رائحة المبيض.

في تلك اللحظة أدركت أنني لا أملك سوى هذه الطفلة

وأن العالم كله لن يكون كافيا إن تركتها تهان مرة أخرى.

أعددت لها فطورا بسيطا بيض وقطعة خبز محمصة.

حين فتحت عينيها رمشت ببطء وقالت بصوت ناعس

ماما هو أنا كنت وحشة

تجمدت.

الكلمات كانت كطلقة.

اقتربت منها جلست على السرير أمسكت وجهها بين يدي وقلت بهدوء

لأ يا ليلي. إنت مش وحشة أبدا. اللي حصل ده مش غلطك.

قالت ببراءة

بس تيتة قالت إن الأطفال الكويسين ما بيكسرواش الأطباق.

ابتسمت بحزن وقلت

الأطباق بتتكسر يا حبيبتي القلوب بس اللي مينفعش تتكسر.

ثم قبلت جبينها وقلت

يلا نخرج شوية.

لم تسأل إلى أين.

كأنها كانت تعرف أننا لن نعود قريبا.

خرجنا من البيت

قبل أن تستيقظ المدينة تماما.

الهواء كان باردا السماء رمادية والطريق شبه خال.

وضعت شنطة صغيرة في المقعد الخلفي فيها ملابس قليلة وصورة قديمة لنا

ثم قدت السيارة بصمت.

كل دقيقة كنت أشعر أن شيئا ثقيلا ينتزع من داخلي

كأنني أتحرر من سجــ,ن لم أكن أدرك أنني فيه.

بعد ساعة تقريبا توقفت عند موتيل صغير على الطريق السريع.

واجهة قديمة نوافذ ضبابية وواجهة نيون نصفها مطفأ.

لكن المكان كان نظيفا وهادئا.

الهدوء هذا ما كنت أحتاجه.

استقبلنا رجل عجوز بابتسامة شاحبة سلمني المفتاح

وقال وهو يشير إلى السلالم المعدنية

الغرفة رقم سبعة فيها شمس الصبح.

شكرته وصعدنا.

الغرفة بسيطة سريران صغيران ستارة باهتة طاولة خشب مائلة.

لكنها بدت لي كجنة مؤقتة.

نامت ليلي بسرعة ووقفت أنا أمام النافذة أراقب الطريق الفارغ.

السماء بدأت تصفو وشمس باهتة تمد خيوطها على الإسفلت.

أمسكت بالهاتف كانت المكالمات بالعشرات.

أسماء مألوفة حماتي زوجي أرقام أقارب.

لم أجب.

كتبت رسالة واحدة لمارك ثم محوتها.

لم أكن أريد كلمات.

بدلا من ذلك التقطت صورة لليلي وهي نائمة

وبعثتها إليه دون أي تعليق.

مرت الساعات ببطء.

وفي منتصف النهار سمعنا طرقا قويا على الباب.

فتحت فوجدت مارك واقفا.

كان متعبا شاحب الوجه يحمل في عينيه خوفا وغضبا في آن واحد.

قال وهو يحاول السيــ,طرة على صوته

كارن ماما في حالة هستيرية. بتقول إنك خطفت ليلي.

رفعت حاجبي ببرود وقلت

اختطاف أنا بس خدت بنتي بعيد عن الناس اللي نسيت إنها بنتهم.

قال بعصبية

هي كانت بتساعدك كارن.

ضحكت بمرارة

مساعدة ترك بنت تسع سنين وحيدة سبع ساعات عشان طبق اتكــ,سر ده اسمه عقاب ولا قسوة

سكت.

قال بعد لحظة

كان لازم تتكلمي معايا.

رددت بحدة مكتومة

كلمتك مليون مرة بس دايما كنت بتختار تصدقهم هما.

نظر إلي بصمت طويل.

كانت تلك اللحظة أول مرة أرى فيها تردده الحقيقي.

ثم قال

هكلمهم وأحل الموضوع.

قلت وأنا أنظر في عينيه بثبات

أنا بالفعل حليته.

إزاي

رجعت كل الهدايا اللي جابوها لليلي وسبتهم على باب بيتهم ومعاهم ورقة.

ورقة!

مكتوب فيها ما ينفعش تختاروا أنهي حفيدة تستحق الحب.

تغير وجهه كأنه أدرك أن اللعبة انتهت.

لكنه لم يقل شيئا.

جلس على الكرسي ودفن وجهه في كفيه.

كنت أراه للمرة الأولى بلا دفاع ولا كبرياء.

رجل تاه بين أمه وضميره.

قضينا اليوم في صمت

ثم في المساء عاد مارك إلى البيت ليهدئ والدته.

أما أنا فبقيت في الموتيل أنظر إلى ليلي وهي ترسم على الورق

منظر بيت صغير تحيط به شمس كبيرة.

قالت لي وهي تلونها بالأصفر

دي شمسنا ماما. محدش يقدر يطفيها.

ابتسمت وفي داخلي بدأت الخيوط الممزقة تتصل من جديد.

بعد يومين عدنا إلى منزلنا.

لكن شيئا لم يعد كما كان.

لم تعد الصور على الحائط تحمل المعنى نفسه.

ولا الأثاث له الدفء الذي كان.

ليلي كانت أكثر صمتا لكن في عينيها شيء من القوة الجديدة.

وفي المساء وهي تساعدني على ترتيب الســ,رير قالت فجأة

ماما هو الحب بيتغير

سألتها

ليه بتسألي

قالت

عشان تيتة كانت بتحبني وبعدين بطلت.

قلت

اللي بيحب بجد ما يعرفش يبطل. يمكن هي ما كانتش تعرف يعني إيه حب.

هزت رأسها ثم قالت

أنا بحبك على طول حتى لو كسرت طبق تاني.

ضحكت من قلبي لأول مرة منذ شهور.

مرت أسابيع ولم يتصل أحد.

إلى أن جاء عيد ميلاد إيميلي.

مارك أصر أن نذهب علشان نبقى مؤدبين قالها بابتسامة باهتة.

وافقت لأنني أردت أن أنهي ما بدأته.

دخلنا بيت حماتي والعيون كلها علينا.

الهمسات تدور والابتسامات المصطنعة تتطاير في

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى