لسه الحكايه مخلصتش..دي بس البداية حصري

كنت في الثامنة من عمري، واقفة في منتصف مطار مزدحم، أُمسك بحقيبة ظهر وردية صغيرة وأُحدّق في أمي وهي تبتعد. كانت كعبا حذائها العاليين يُصدران صوتًا واثقًا على الأرضية اللامعة، كأنهما يعدّان الثواني حتى تختفي إلى الأبد.

استدارت مرة واحدة، وانزلقت نظارتها الشمسية قليلاً عن أنفها حتى رأيت ضيقها ونفاد صبرها في عينيها.

قالت ببرود:

“هتعرفي تعتمدي على نفسك، يا ليا.”

كان صوتها حادًّا، قاسيًا، كأنها بترمي وجبة مش عاجباها.

زوجها الجديد، رجل طويل بساعة غالية وابتسامة متعجرفة، أضاف:

“في عيال مدلعة لازم تتعلم الاستقلال بالطريقة الصعبة.”

وخلفهم، كان طفلاه التوأمان — أنيقان كأنهما خارجان من إعلان تلفزيوني — يضحكان ساخرين.

“أخيرًا، أجازة حقيقية من غير الأمتعة الزايدة!”

وضحكوا جميعًا، كأنني نكتة سخيفة اضطروا يتحملوها.

اشټعل حلقي، ولسعَت عيناي، لكني لم أبكِ. لا أمامهم. لا وأنا أراهم يديرون ظهورهم ويختفون وسط الحشود، ساحبين حقائبهم نحو البوابة.

كل ما همستُ به كان:

“لسّه الحكاية مخلصتش.”

في الساعة الأولى، وقفت متجمدة، مصدّقة إنها راجعة. يمكن تفتكر، يمكن تحس إنها غلطت، يمكن ترجع وهي

بټعيط وتقول إن كل دا سوء تفاهم.

لكن شاشة الرحلات أضاءت مرة بعد مرة: الرحلة إلى باريس تُغادر الآن.

وفهمت إنها مش راجعة.

مرّ الناس بجانبي مسرعين، والإعلانات تملأ المكان. جلست على مقعد خشبي، أحتـــ،ضن حقيبتي، متظاهرة بأنني فقط أنتظر أحدًا تأخر.

في الحقيبة كانت صورة مجعدة تجمعني بأمي قبل زواجها الثاني — وقت كانت تسرّح شعري وتقول إنني عالمها كله. نظرت إليها حتى تداخلت الألوان في عيني.

اقترب مني حارس أمن، جثا على ركبتيه وقال بلطف:

“يا حبيبتي، فين مامتك؟”

فتحت فمي، لكن ما قدرتش أتكلم.

إزاي أقول له إن أمي بدلتني برحلة فاخرة؟

تدخلت الشرطة، ثم خدمات الطفل، وأخذتني موظفة اجتماعية طيبة تُدعى السيدة إيفانز إلى دار رعاية صغيرة.

في الليالي الأولى، ما قدرتش أنام. كنت كل لحظة أتخيّل صوت أمي وهي بتناديني، بتقول إنها ندمت.

لكن الصوت الوحيد اللي كان بيرجعلي هو صوتي أنا، يهمس في الظلام:

“لسّه الحكاية مخلصتش.”

مرت السنوات. تنقلت بين بيوت الرعاية، وتعلمت بدري إن الناس بيحبوا فكرة إنقاذ طفل أكتر من واقع تربيته.

صرت هادئة، أراقب، وأخطط.

قرأت كل كتاب وصلت إليه يداي. الكتب أصبحت مهربي

قصص

عن ناس تم نسيانهم، وتُركوا خلفهم، ومع ذلك شقّوا طريقهم نحو العظمة.

في الثانوية، كنت الأولى على مدرستي، أشتغل شغلين جزئيين، وقائمة منح دراسية معلّقة فوق سريري.

ما كانش عندي عيلة، بس كان عندي هدف: أعمل حياة قوية لدرجة إن محدش يقدر يتخلى عني تاني.

عند بلوغي الثامنة عشرة، التحقت بإحدى أفضل الجامعات في البلاد. حزمت أشيائي القليلة — ومعي الصورة القديمة — وتركت نظام الرعاية خلفي.

بعد عشر سنوات، كنت واقفة في نفس قاعة الوصول بالمطار نفسه.

لكن المرة دي، ما كنتش الطفلة الضايعة.

كنت امرأة ترتدي بدلة أنيقة، عائدة من رحلة عمل، مؤسسة لجمعية خيرية ناجحة تُساعد الأطفال المهجورين.

وأنا ماشية قرب المقعد اللي نمت عليه زمان وأنا ببكي، شُفت حاجة خلت قلبي يتجمد.

كانت هي.

أمي.

جالسة قرب سير الحقائب، أكبر سنًا، شعرها اللي كان لامع بقى فيه خصلات رمادية. ملابسها الغالية ما قدرتش تخفي التعب في وجهها. بجانبها زوجها — صار سمينًا، متجهمًا — والتوأمان المراهقان ملتصقان بهواتفهم.

تجمدت مكاني. صدري ضاق، والذكريات اندفعت في وجهي.

رفعت رأسها… ونظرت لي.

لحظة طويلة ثقيلة، وبعدين بدأت أمشي ناحيتها.

قالت بصوت مرتجف:

“كبرتي… كنت عارفة إنك هتبقي بخير.”

ابتسمت بهدوء، وقلت:

“كنتي صح في حاجة واحدة… فعلاً اتعلمت الاستقلال — بالطريقة الصعبة.”

زوجها تمتم وهو مستاء:

“إيه الموضوع دا؟ إنتِ تعرفيها؟”

قالت بهدوء، والندم بيملأ صوتها:

“أيوه… دي بنتي.”

التوأمان رفعوا نظرهم بدهشة:

“إيه؟ عندِك بنت تانية؟”

بصيت لهم وقلت بهدوء:

“ما تقلقوش… مش جاية أخرّب أجازتكم.”

ساد صمت كثيف، كأنه الهواء نفسه توقف. ثم قلت:

“بس حبيت أقولك حاجة… أنا نجحت. من غيرك.”

استدرت لأرحل، لكن قبل أن أمشي، قلت الجملة اللي حملتها معي من سن الثامنة:

“لسّه الحكاية مخلصتش… لأني أنا اخترت إنها ما تكونش نهايتي.”

في تلك الليلة، عدت إلى شقـــــ،تي وفتحت حقيبتي القديمة — نفس الحقيبة اللي كنت شايلها يوم المطار.

فيها كانت الصورة، باهتة ومجعدة. وضعتها في إطار على مكتبي، بجانب صور الأطفال اللي ساعدتهم جمعيتي.

في مكانٍ عميق داخلي، كنت قد سامحتها — مش لأنها تستحق، لكن لأنني أنا أستحق السلام.

حوّلت ألمي إلى هدف.

ورغم إن الطفلة الصغيرة وقفت وحيدة يومًا في المطار،

النهارده وقفت شامخة، محاطة بحيواتٍ غيّرتها.

همست

مرةً أخرى، لكن هذه المرة بصوتٍ قوي لا يعرف الحزن:

“لسّه الحكاية مخلصتش… دي بس البداية.”

تمت????

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى