Uncategorized

بعد سنه.. حكايات مشيره

خرجتُ من الفيلا وأنا لا أشعر بقدميّ تحملانني كان الهواء باردًا رغم أن المساء لم يكن قد تأخر كثيرًا والسماء فوق التجمع الخامس صافية كأن شيئًا لم يحدث وكأن العالم لا يبالي بانهيار قلبي في تلك اللحظة سمعت الباب الثقيل يُغلق خلفي بقسوة فارتجف جسدي كله لم ألتفت لم أرد أن أرى الوجوه التي كانت قبل دقائق فقط تستعد لمشاركتي فرحتي ثم تحولت فجأة إلى وجوه قاسية تطر، دني كأنني ارتكبت جر، يمة لا تُغتفر

وقفت للحظات عند الرصيف أتنفس بصعوبة أحاول أن أستوعب ما جرى كيف يمكن لصورة قديمة أن تُلغي زفافًا وتُسقط ثلاث سنوات من الحب والوعود في لحظة واحدة كانت صورة عادية جدًا جدتي رحمة تجلس على كرسي خشبي قديم في فناء بيتنا الصغير تحــــ،ـــــتضنني رضيعة وتبتسم ابتسامة صافية لا تحمل سوى الحنان ما الذي رآه أهل ياسر فيها ولم أره أنا

اهتز هاتفي في يدي كان ياسر يتصل لم أرد في البداية شعرت بغصة في حلقي وخوف غامض من سماع صوته لكن الاتصالات توالت ثم جاءت رسالة واحدة فقط افتحي ضروري لازم أشرح لك وقفت مترددة ثم ضغطت زر الإجابة جاءني صوته متوترًا ومبحوحًا اسمعيني أرجوك اللي حصل مش زي ما أنت فاكرة حاولت أن أتكلم لكن الكلم,,ات خا، نتني سألته بصوت مرتعش زي إيه يا ياسر إيه اللي يخلي أبوك يطر، دني بالشكل ده علشان صورة جدتي

صمت للحظة طويلة شعرت خلالها أن قلبي سيتوقف ثم قال أمي وأبويا يعرفوا الست دي من زمان جمد الدم في عروقي أعرفوا إزاي جدتي عمرها ما خرجت بره قريتنا غير نادرًا قال بصوت خافت كانوا عايشين في نفس الحي زمان قبل ما حالتنا تتحسن كانت في مشاكل كبيرة حصلت بين العيلتين بس عمري ما سمعت التفاصيل

لم أفهم أكثر بل ازداد ارتباكي قلت له مشاكل إيه اللي تخليهم يخافوا بالشكل ده رد وهو يتنهد مش بس مشا، كل الموضوع أكبر من كده الصورة دي فتحت جرح قديم كانوا فاكرينه اتقفل

عدت إلى بيتي تلك الليلة وأنا أشعر أنني أحمل فوق كتفيّ ثقل سنوات لا أعرفها جلست أمام جدتي رحمة التي كانت تنتظرني بقلق منذ خروجي ار،، تجفت شفتاي وأنا أحكي لها ما حدث كنت أراقب وجهها مع كل كلمة أقولها رأيت لونها يشحب ببطء وعينيها تغرورقان بدموع حاولت أن تخفيها

سألتها بصوت خافت جدتي إيه اللي بينهم وبينك ساد الصمت في الغر،، فة دقائق طويلة لا يُسمع فيها إلا صوت ساعة الحائط القديمة ثم قالت بصوت مكسور كنت عارفة إن اليوم ده هييجي بس كنت بدعي ربنا ما يجيش أبدًا اقتربت منها أكثر أمسكت بيديها المتجعدتين جدتي فهميني

تنهدت بعمق وبدأت تحكي قبل أربعين سنة تقريبًا كنت شابة أعمل خياطة في بيوت الناس في الحي نفسه اللي كان فيه بيت عيلة المرشدي كانوا وقتها مش أغنيا زي دلوقتي بس برضه كانوا معروفين وفي يوم حصلت س,,رقة كبيرة في بيتهم مجوهرات وفلوس اختفت فجأة والكل كان بيدور على حد يعلّقوا عليه التهمة

شعرت بقلبي يخفق بسرعة قلت لها ما تقوليش إنهم اتهموك أومأت برأسها ببطء قالت كنت بشتغل عندهم قبلها بيومين بس ده كان كفاية عشان يشاوروا عليّ الناس صدقتهم بسهولة لأني كنت غلبانة وملهاش ظهر حاولت أدافع عن نفسي لكن محدش سمعني

شهقت وأنا أستمع إليها هل دخلتِ السج,,ن قالت لا ربنا ستر في آخر لحظة ظهر شاهد قال إنه شاف حد غريب بيهرب من البيت ليلة الس,,رقة بس رغم ده السمعة اتشوّهت الناس فضلت تبصلي بشك وأنا قررت أسيب الحي كله وأسافر القرية وابدأ من جديد

شعرت بغض,,ب يتصاعد داخلي يعني هما عارفين إنك بريئة ومع ذلك اتصرفوا كده قالت وهي تمسح دموعها الظل,,م لما يكبر مع السنين بيتحول لكبرياء يمكن كانوا خايفين الحقيقة تطلع تاني

في اليوم التالي جاء ياسر إلى بيتنا وجهه شاحب وعيناه حمراوان من السهر جلس أمام جدتي مطأطئ الرأس وقال أنا آسف يا طنط رحمة اللي حصل امبارح كان صد، مة لينا كلنا والدي اعترفلي إنهم وقتها ضغطوا على الشرطة عشان تق,,بض عليك حتى قبل ما يتأكدوا وفضلوا سنين شايفينك سبب الفضـــــــ،، يحة اللي حصلت لهم قدام الناس

رفعت جدتي رأسها وقالت بهدوء رغم الألم أنا سامحت من زمان بس الظل,,م عمره ما بيتنسى نظرت إلى ياسر وقلت له وإنت موقفك إيه سكت لحظة ثم قال أنا بحبك ومش شايف في جدتك غير ست اتظل,,مـــــــ.. ت بس عيلتي رافضة تمامًا وبيقولوا لو تم الجواز يبقى أنا اخترتكوا عليهم

كان القرار أصعب مما تخيلت هل أطلب منه أن يترك عائلته هل أقبل أن أعيش حياة تبدأ بقطــــ،،يعة وأحقاد أم أتنازل عن حبي لأجل راحة الجميع قضيت ليالٍ طويلة أفكر أستعيد كلم,,ات جدتي ونظرات ياسر الممزقة بيننا

في إحدى الليالي استيقظت على صوت جدتي تناديني دخلت غرفتها فوجدتها تمسك بصندوق خشبي قديم لم أره من قبل فتحته أمامي وأخرجت أوراقًا صفراء قديمة وقالت دي كانت الدليل اللي احتفظت بيه طول السنين كان فيه خطاب من الشاهد اللي برأني وقتها كتب فيه إنه عرف السارق الحقيقي لكنه خاف يتكلم لأن عيلة المرشدي هددته

اتسعت عيناي بدهشة ليه ما استخدمتيش الخطاب ده قالت كنت عايزة أعيش بسلام بعيد عن المشاكل لكن يمكن دلوقتي لازم الحقيقة تطلع

شعرت بقوة تسري في عروقي للمرة الأولى منذ تلك الليلة السوداء قلت لها مش هنسكت لازم يعرفوا إنك بريئة مش بس علشاني علشان اسمك وكرامتك

2 من 2التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى