عام

عندها 71 سما سامح

راحت لابنها بأكل عملته بإيديها بكل حب… لكن مرات ابنها رمت الأكل في الزبالة، وهو ما رفعش عينه من الأرض إنتِ بجد جبتي الأكل ده عندي؟ ريحته عاملة زي أكل المطاعم الشعبية القديمة يا طنط أمينة. قالت كنّتي، ياسمين، الجملة دي قدام اتناشر شخص، وهي ماسكة كوباية عصير في إيدها وابتسامة هادية تخوف أكتر ما تطمن.

 

كنت واقفة في نص الريسبشن، شايلة حلة فخار ملفوفة في فوطة مطرزة، ولسه سخنة ولسه طالعة منها ريحة الحب والتعب.

اسمي أمينة السيد، عندي واحد وسبعين سنة، وقضيت أكتر من تمانية وتلاتين سنة صاحبة مطبخ أكل بيتي في شبرا. كنت ببيع محشي، ملوخية، فتة، صواني فراخ، وكشري من قبل ما ابني أحمد يتعلم يمشي.

بإيديا دي، اللي شالت الزيت والتعب والسنين، علمته، ودخلته كلية الحقوق، وجبتله بدل محترمة، وساعدته لحد ما استقر في الشقة اللي عايش فيها دلوقتي مع مراته.

لكن اليوم ده فهمت حاجة كسرت قلبي…

ممكن أم تقضي عمرها كله بتأكل ابنها وتربيه، وفي الآخر تشوفه ساكت وهو بيتفرج على حد بيهينها قدام الناس.

كان يوم جمعة.

صحيت من الساعة خمسة الفجر أعمل فتة لحمة، رز بالشعرية، سلطة، وعيش بلدي سخن.

أحمد كان بيعشق الأكل ده من وهو صغير.

كان دايمًا يقولي

يا ماما، لما أكبر وأبقى غني، هاكل أكلك

كل يوم.

وأنا أضحك وأمسح له بقه بطرف المريلة.

دلوقتي أحمد عايش في شقة فخمة في التجمع، بأثاث مودرن رمادي ولوحات غريبة ومطبخ شكله زي اللي في المجلات، لكن محدش بيطبخ فيه.

أما ياسمين فكانت مشهورة على السوشيال ميديا، بتتكلم طول الوقت عن الدايت والطاقة الإيجابية وتطوير الذات، لكنها ما كانتش تعرف تبص لست كبيرة من غير ما تبين ضيقها.

لما وصلت، البواب رحب بيا بابتسامة.

أهلاً يا حاجة أمينة، جايبة أكل حلو زي كل مرة؟

شوية حاجات بسيطة يا عم سيد… يمكن المرة دي يخلوني أقعد آكل معاهم.

سكت وبص للأرض.

وسكوته فهمني حاجة كنت برفض أصدقها.

طلعت وضربت الجرس.

فتح أحمد الباب، وكان واضح عليه التوتر.

ماما… مش كنتِ قولتي إنك هتيجي بعد العصر؟

يا ابني، قلتلك هاجي على الغدا. وجبتلك الفتة اللي بتحبها.

قبل ما يرد، ظهرت ياسمين.

لابسة فستان بيج وشعرها متظبط بعناية.

ياااه، يا طنط أمينة… مفاجأة.

ما كانتش مفاجأة.

كانت مضايقة.

دخلت ولقيت أصحابهم قاعدين في الريسبشن، ماسكين كاسات وبيضحكوا بصوت واطي.

قدامهم أطباق جبنة وفاكهة وحاجات صغيرة بالكاد تتاكل.

حطيت الحلة على السفرة.

الأكل لسه سخن… عملته مخصوص لأحمد.

جريت ياسمين بسرعة ناحية الحلة.

لا لا لا… ده ما يتحطش هنا.

يعني إيه؟

ضيوفي ما بياكلوش أكل

دهون يا طنط أمينة. إحنا بنهتم جدًا بالأكل اللي بندخله جسمنا.

بعض الناس ضحكوا.

وأحمد فضل باصص للأرض.

يا بنتي، ده مش أي أكل… تعبت فيه من الفجر.

رفعت الغطا.

ريحة الأكل ملت المكان.

بالنسبة لي كانت ريحة بيت وعيلة وذكريات.

أما بالنسبة لها فكانت ريحة إحراج.

الأكل ده تقيل جدًا. أكل ناس ما بتفهمش في الصحة. معلش، بس أنا مش عايزة بيتي يبقى ريحته زي المطاعم الشعبية.

بيتي.

الكلمة غرست جوايا زي السكينة.

لأن الشقة دي ما كانتش بتاعتها.

ولا حتى بتاعة أحمد.

كانت شقتي أنا.

أنا اللي اشتريتها كاش بعد ما بعت مشروع الأكل بتاعي.

وسجلتها باسمي بنصيحة المحامي الأستاذ محمود، لكن سيبتهم يعيشوا فيها من غير إيجار.

أحمد وقتها قالي إنهم محتاجين يوفروا فلوسهم.

وياسمين حضنتني وقالت

إنتِ أحسن حماة في الدنيا.

ساعتها كنت لسه مفيدة بالنسبة لهم.

يا ياسمين، ما يصحش الكلام ده.

ضحكت باستهزاء.

يا طنط أمينة، ما تزعليش. بس لازم تفهمي إن أحمد ما بقاش الولد اللي كان بياكل في مطبخك زمان. هو دلوقتي بقى في مستوى تاني.

بصيت لابني.

استنيت منه كلمة واحدة.

أي كلمة.

يقف في صفي.

يقول احترمي أمي.

أو الأكل ده بيفكرني بأصلي.

أو أي حاجة.

لكن أحمد ما نطقش.

مسكت ياسمين الحلة بإيديها الاتنين ومشت ناحية المطبخ.

لا يا ياسمين.

.. ما تعمليش كده.

لكنها ما سمعتش.

فتحت سلة القمامة.

وقالت وهي رافعة الحلة

الحاجات اللي ما تناسبش حياتنا مكانها هنا.

وقلبت الحلة كلها.

شفت الفتة والرز والسلطة بينزلوا وسط المناديل وبقايا الأكل.

شفت تعب يوم كامل.

وشفت حبي.

وشفت قلبي.

وهو بيترمي في الزبالة.

الصوت كان مؤلم بشكل ما أنساهوش.

والمكان كله سكت.

حطت الحلة الفاضية في الحوض ومسحت إيديها.

خلاص… دلوقتي نقدر نتنفس.

في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.

ما عيطتش.

ما صرختش.

بصيت بس لأحمد.

يا ماما… ياسمين كانت متعصبة شوية. بعدين نتكلم.

مسكت شنطتي.

لا يا ابني… إنتوا اتكلمتوا كفاية.

واتجهت ناحية الباب.

وقبل ما أخرج سمعت ياسمين بتقول

يا سلام على الدراما… عشان كده ما ينفعش نعزم ناس بسيطة.

في اللحظة دي عرفت إني مش هرجع البيت ده تاني وأنا شايلة أكل.

المرة الجاية هرجع وأنا شايلة أوراق.

وهم لسه ما يعرفوش إنهم أيقظوا جوايا حاجة عمرهم ما كانوا يتخيلوا عواقبها.

الجزء الثاني

خرجت من الشقة وأنا ماسكة الحلة الفاضية.

ما بكيتش.

الغريب إني ما حسّتش حتى بالغضب.

كنت حاسة بحاجة أخطر…

إن قلبي أخيرًا بطل يدور على أعذار لابني.

طول الطريق للبيت كنت بفتكر كل مرة ياسمين أهانتني فيها وسكت.

كل مرة أجلت زيارة عشان أصحابها عندهم

عزومة.

كل مرة اتصلت بأحمد ولقيته يقولي

معلش يا ماما، أصل ياسمين تعبانة.

دايمًا ياسمين.

ودايمًا أنا اللي مطلوب

متابعة القراءة

السابق1 من 2
تابع المقال

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى