روايات وقصص

سنه 2000حكايات زيزي

سنة 2000، أديت آخر 10 دولارات كانت معي لشاب مشرد. وبعد 26 سنة بالضبط، رجل غريب ظهر قدام باب بيتي، وكان شايل صندوقًا، وقال لي: هو تأكد إنك تأخذي ما تستحقينه. من 26 سنة بالضبط، ابني دانيال توفي.
المرض جاء فجأة لدرجة أنني بالكاد لحقت أفهم ما الذي يحدث، قبل أن ألاقيه رحل. كنت غبت عن عملي أيامًا كثيرة لأرعاه، وبعدها بفترة قصيرة، المدير طردني من العمل.

فاكرة كويس جدًا اليوم ده وأنا راجعة البيت وأنا منكسرة تمامًا.
كنت فقدت ابني.
وفقدت عملي.
وما كنت عارفة المفروض أعمل إيه بعد كده.
وفي الوقت ده، لمحت شابًا صغيرًا قاعدًا لوحده على الرصيف.
شكله كان أكبر من دانيال بكام سنة بس.
في الأول كنت هاكمل طريقي.
لكن شيئًا في الجاكيت الذي كان لابسه خلاني أقف.
فوق جيب الجاكيت كان فيه مركب شراعي صغير أحمر، متخيط بشكل غير متساوي.
نفسي انقطع.
أنا كنت عارفة الرقعة دي.
أنا التي خيطتها في جاكيت دانيال لما كان عنده 13 سنة، بعد ما قطع القماش.
وققبل ما دانيال يمرض بحوالي شهر، كان تبرع بالجاكيت لكنيسة الحي ليبيعوه في محل الملابس المستعملة.
قربت من الشاب وقلت له:
أنت جبت الجاكيت ده منين؟
الشاب توتر على طول.
وقال بسرعة:
هم اللي أوهولي. ممكن أرجعهولك.
هزيت راسي:
لا يا حبيبي، خليه معاك. لايق عليك.
وبعدين حصلت حاجة أنا ما كنت مخططة لها.
قعدت جنبه.
وبدأت أبكي.
حكيت لشخص ما أعرفه أي حاجة عن دانيال.
حكيت له إزاي مرض فجأة.
وقد إيه كنت أشتتاق إليه.
وإزاي كنت لسه ساعات ألاقى نفسي أفكر في حاجات عايزة أحكيها له، وبعدين أفتكر إنه خلاص مش موجود.
الشاب ما قاطعنيش.
فضل ساكت بيسمعني وبس.
وفي الآخر، قمت.
ودخلت إيدي في جيبي.
كان فاضل معي 10 دولارات.
آخر 10 دولارات كانت معي.
مددت الفلوس ناحيته.
بص لها وهو مش مصدق.
وقال:
لا يا مدام.
بل بالعكس، شكله خاف.
أنت محتاجاهم أكثر مني.
قلت له:
يمكن بس أنت محتاج تأكل النهارده. وأنا هتصرف.
مسح عينيه بكم هدومه.
وقال:
اسمي أوين.
قلت له:
وأنا نورا.
طلع ورقة مقطوعة من جدول أتوبيسات، وكتب عليها اسمي.
وبعدين بص لي وقال:
أنا هألاقيك في يوم من الأيام.
ابتسمت.
أنا أساسًا مددتله الفلوس من غير ما أكون مستنية منه أي حاجة في المقابل.
لكن خلال الدقائق القليلة اللي قعدت فيها جنبه، حسيت أني مبقتش لوحدي أوي.
وكنت أتمنى إنه هو كمان يكون حس بكده.
وبعدين روحت البيت.
السنين اللي بعد وفاة دانيال ما كانت سهلة.
لكن بطريقة ما، الحياة كملت.
في النهاية، لقيت عملًا ثانيًا.
وبعد فترة، اتجوزت رجلًا طيبًا.
وخلفنا بنتًا.
وحبيت الحياة اللي بنيناها سويا.
لكن دانيال فضل جزءًا من كل سنة عدت بعده.
كنت أشتاق إليه كل يوم.
وأوقات كنت أفكر في أوين كمان.
كنت أتساءل:
يا ترى لقى مكانًا آمنًا ينام فيه؟
يا ترى أكل الليلة دي؟
يا ترى الحياة في يوم من الأيام بقت أرحم معه؟
لكن عمري ما شفته تاني.
لحد النهارده.
كان يوم ذكرى وفاة دانيال.
كنت في المطبخ أحضر العشاء لعائلتي، لما جرس الباب رن.
فتحت الباب، لقيت رجلًا لابس بدلة غالية واقفًا قدامي، وشايل صندوقًا كبيرًا.
كان فيه حاجة في شكله حسيت إنها مألوفة بشكل غريب.
وبعدين لاحظت الحاجة اللي كانت متغطية فوق الصندوق.
جاكيت جينز.
رجلي تقريبًا ما شالتنيش.
جاكيت دانيال.
نفس الجاكيت اللي أوين كان لابسه وهو قاعد على الرصيف من 26 سنة.
وفوق الجيب:
كان المركب الشراعي الأحمر الصغير اللي أنا خيطته بايدي.
حتى بعد السنين الطويلة دي، قدرت أتعرف على كل غرزة فيه، رغم أنها كانت غير متساوية.
مسكت في إطار الباب عشان ما أقعش.
الرجل بص لي وقال:
مدام نورا؟
قلت:
أيوه؟
قال:
أوين بعتني. هو بقاله سنين بيحاول يوصلك.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته:
هو فين؟
لكن بدل ما يجاوبني، حط الصندوق في إيدي.
وبعدين ملامح وشه اتغيرت.
وبص لي في عيني مباشرة وقال:
هو تأكد إنك تأخذي ما تستحقينه.
وفجأة:
الصندوق اللي في إيدي حسيت إنه بقى أتقل بكثير من الطبيعي.
وتفاصيل اللي كان جوه الصندوق كان ثقيلًا بشكل غريب.
حطيته على الأرض قدام الرجل، وإيدي كانت بترتجف.
بصيت له وقلت:
هو أوين كويس؟
الرجل سكت ثوانٍ، وكأنه بيدور على الطريقة المناسبة عشان يجاوب.
وبعدين قال:
كويس بس مش هنا.
الجملة دي خلت قلبي ينقبض.
يعني إيه مش هنا؟ هو فين؟
الرجل بص للصندوق وقال:
قبل ما أوين يوصلك، طلب مني حاجة واحدة بس.
إيه؟
إنك تفتحي الصندوق بنفسك.
بلعت ريقي.
وليه؟
قال:
لأنه قال إن أول حاجة جوه الصندوق لازم تكون بين إيديك أنتِ.
بصيت للصندوق تاني.
كان صندوقًا خشبيًا قديمًا، لكن واضح إنه معمول بعناية، وعلى الغطاء كان فيه نقش صغير على شكل مركب شراعي.
نفس المركب.
نفس اللون.
نفس الفكرة اللي كانت على جاكيت دانيال.
حسيت إن نفسي ضاق.
قلت:
أنت تعرف دانيال؟
الرجل هز راسه:
لا.
أمال إزاي عرفت عن الجاكيت؟
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
لأن أوين حكالي كل حاجة.
ركبتي ضعفت.
دخلت الصندوق جوه البيت، والرجل دخل ورايا بعد ما استأذن.
حطيته على المائدة.
زوجي وبنتي كانوا في الصالة، ولما شافوا الصندوق والرجل الغريب، قربوا.
زوجي سألني:
نورا، مين ده؟
قبل ما أجاوب، الرجل قال:
أنا مجرد رسول.
وبعدين حط ظرفًا أبيض فوق الصندوق.
وده لازم يتفتح الأول.
مددت إيدي للظرف.
كان مكتوب عليه بخط واضح:
إلى نورا الست اللي أدتني آخر عشرة دولار كانت تملكهم.
أول ما قريت الجملة:
عيني دمعت.
قعدت على الكرسي.
فتحت الظرف بيد مرتجفة.
جواه ورقة واحدة.
لكن أول سطر فيها خلاني أحط إيدي على فمي.
لأن أوين كان كاتب:
نورا أنا فاكر اليوم ده أكثر من أي يوم في حياتي.
رفعت عيني للرجل.
وقلت:
هو كتب الرسالة دي إمتى؟
قال:
من ثلاثة شهور.
من ثلاثة شهور؟!
هز راسه:
وكان محدد يوم معين أوصلهالك فيه.
النهارده؟
أيوه.
بصيت للتاريخ المكتوب أسفل الرسالة.
كان نفس تاريخ وفاة دانيال.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
بدأت أقرأ:
أنا عارف إنك ممكن تكوني نسيتيني.
لكن أنا عمري ما نسيتك.
في اليوم اللي قابلتك فيه، كنت مقتنع إن العالم كله سابني.
كنت جائعًا.
وخائفًا.
ومش عارف هنام فين الليلة دي.
لكن الست اللي كانت منكسرة من جواها أكثر مني، قعدت تسمعني وبعدين أدتني آخر فلوس معاها.
أنا وقتها ما فهمت ليه عملتي كده.
لكن بعد سنين فهمت.
لأنك ما كنتِ بتحاولي تنقذيني من الشارع بس.
أنت أنقذتيني من فكرة إني ما استاهلش حد يهتم بي.
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
زوجي حط إيده على كتفي.
أما بنتي فكانت واقفة جنبي ومش فاهمة ليه أنا أبكي.
كملت:
بعد اليوم ده، حصلت حاجات كتير.
مش كلها حلوة.
وممش كلها سهلة.
لكن حاجة واحدة فضلت ثابتة.
المركب الأحمر.
بصيت للجاكيت.
فضلت محتفظ بيه سنين.
لأنه كان أول دليل عندي إن حد ممكن يعمل حاجة كويسة لحد غريب، من غير ما يستنى مقابل.
ولما بدأت حياتي تتغير:
قررت أدور عليك.
قفلت عيني.
هو كان بيدور عليا؟
بعد كل السنين دي؟
كملت القراءة:
بس البحث عنك أخذ وقتًا أطول مما كنت متخيل.
وفي يوم، أخيرًا وصلت لعنوانك.
عرفت إنك اتجوزت.
وعندك بنت.
وإن حياتك اتجرت.
وعرفت كمان حاجة عن دانيال.
إيدي تجمدت.
وقريت السطر مرة تانية.
وعرفت الحقيقة اللي ما كنتِ تعرفيها.
رفعت عيني بسرعة للرجل.
حقيقة إيه؟
لكنه ما ردش.
قلت بعصبية:
أنا أسألك!
قال بهدوء:
أوين قال إنك هتلاقي الإجابة جوه الصندوق.
فتحت الصندوق.
وأول حاجة شفتها كانت مجموعة صور قديمة.
صورة لأوين وهو طفل.
صورة له وهو في المدرسة.
صورة له وهو بيستلم شهادة.
صورة ليه وهو أكبر.
وبعدين:
صورة خلت الدم يهرب من وجهي.
كانت صورة دانيال.
لكن دانيال ما كان لوحده فيها.
كان واقف جنب شخص تاني.
شخص أنا أعرفه.
شخص شفته قبل كده في حياتي.
ومكتوب خلف الصورة تاريخ يعود لأيام قليلة قبل مرض دانيال.
قلبي بدأ يخبط بعنف.
قلبت الصورة.
ولقيت جملة قصيرة مكتوبة بخط أوين:
هو كان بيدور على حاجة قبل ما يموت والحاجة دي وصلت لي بعد 26 سنة.
بصيت لزوجي.
وبعدين للصورة.
وفجأة:
سمعت صوت بنتي من ورايا:
ماما.
لفيت لها.
كانت ماسكة حاجة صغيرة.

بدأت من الجاكيت لكنها مش هتنتهي عنده.
فتحت الظرف.
لقيت صورة.
صورة قديمة جدًا.
دانيال واقف فيها جنب أوين.
لكن خلفهما كان فيه شخص ثالث.
رفعت الصورة قدام عيني.
وما قدرت أتنفس.
لأن الشخص الثالث:
كان الطبيب اللي كتب تقرير دانيال.
وفي ظهر الصورة كان مكتوب:
الثلاثة كانوا عارفين…
فضلت باصة للصورة كأني مستنية ملامح الشخص الثالث تتغير.
لكن لأ.
هو نفس الدكتور.
نفس الشخص اللي كنت بثق فيه وأنا قاعدة جنب سرير دانيال.
نفس الشخص اللي قال لي وقتها:
إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه.
إيدي بدأت ترتجف.
سألت الرجل العجوز:
أنت كنت تعرف الدكتور ده؟
هز راسه:
أعطرفه بالاسم بس.
طب إزاي الصورة دي اتصورت هنا؟
قال:
دي مش الصورة الوحيدة.
فتح درج تاني وطلع ظرفًا أكبر.
أوين سابهم كلهم.
فتحت الظرف.
كان فيه خمس صور.
الأولى لدانيال.
الثانية لأوين.
الثالثة للدكتور.
الرابعة كانت لمبنى قديم.
والخامسة:
كانت صورة لبيت.
بيتي.
نفس البيت اللي عشت فيه بعد وفاة دانيال.
شهقت.
ليه عند أوين صورة لبيتي؟
الرجل بص لي بحزن:
لأنه كان بيراقب من بعيد.
زوجي اتوتر:
بيراقب مين؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى