
نورا.
بصيت له.
قال:
أوين ما كان بيراقبها عشان يؤذيها.
سكت لحظة:
كان بيراقبها عشان يتأكد إن ما حدش قرب منها.
قربت الصورة من عيني.
وكان فيه تاريخ مكتوب على ظهرها.
2008.
يعني أوين كان بيتابع حياتي بعد وفاة دانيال بسنين.
قلبت الصورة.
لقيت في الخلفية سيارة مركونة قدام البيت.
وفوق السيارة كان فيه شخص واقف.
وشه مش واضح.
لكن على إيده:
كان فيه نفس الساعة اللي كانت في الصورة القديمة مع دانيال والدكتور.
زوجي قال:
إحنا لازم نعرف مين الرجل ده.
الرجل العجوز سكت شوية.
وبعدين قال:
هأقولكم حاجة أوين منعني أقولها لحد النهارده.
قربنا منه:
أوين ما كان الوحيد اللي بيدور على الحقيقة.
مين كمان؟
قال:
دانيال نفسه.
طلع دفتر صغير.
قبل ما دانيال يموت، كان بييجي هنا لوحده.
فتح الدفتر.
كل الصفحات كانت مليانة ملاحظات بخط طفل.
مواعيد.
أسماء.
أرقام.
وأماكن.
لكن في آخر صفحة:
كان فيه رسم صغير لمركب شراعي أحمر.
وتحته جملة:
لو حصل لي حاجة، أوين يعرف.
سكتنا كلنا.
زوجي قال:
طيب أوين فين دلوقتي؟
الرجل العجوز قال:
آخر مرة شفته كانت من أسبوع.
فين؟
أشار ناحية الباب.
كان واقف هنا.
قلبي دق بسرعة.
وقال إيه؟
قال:
قال لي إنه خلاص خلص كل حاجة.
يعني إيه خلص؟
وقال إن نورا لازم تعرف الحقيقة قبل ما حد تاني يوصل لها.
وفجأة، هاتف زوجي رن.
رقم مجهول.
رد.
فضل ساكت.
وبعدين بص لي.
وشه اتغير.
قال:
عايزينك أنتِ.
مد الهاتف لي.
حطيته على ودني.
ما سمعت أي صوت في البداية.
ثم جاء صوت رجل هادئ:
نورا.
قلت:
مين؟
قال:
الشخص اللي بتدوري عليه مش في خطر.
قلبي ارتاح للحظة.
لكن صوته كمل:
الخطر الحقيقي هو الشخص اللي أنت فاكرة إنه مات.
تجمدت.
مين؟
سكت.
ثم قال:
دانيال.
وقعت السماعة من إيدي.
صرخت:
أنت بتقول إيه؟!
لكن الخط كان اتقفل.
زوجي بص لي.
قال إيه؟
كنت مش قادرة أتكلم.
وبعد ثوانٍ قلت:
قال إن دانيال…
سكت.
لأن حتى نطق الجملة كان مستحيلًا.
لكن قبل ما أكمل، دخل الرجل العجوز فجأة من الباب الخلفي وهو بيصرخ:
اقفلوا الباب!
لفينا ناحيته.
كان ماسك ظرفًا أسود.
وقال:
أوين وصل.
بصيت ناحية الباب.
ما فيش حد.
لكن الظرف الأسود كان عليه اسمي.
نورا.
فتشته بسرعة.
جواه ورقة واحدة.
وفيها أربعة كلمات فقط:
ما تصدقيش إن دانيال مات.
وفي اللحظة نفسها:
سمعنا طرقًا خفيفًا على باب الكنيسة.
ثلاث طرق.
ثم صوت رجل من الخارج:
نورا.
الصوت كان مألوفًا.
مألوفًا لدرجة إن جسمي كله تجمد.
لأن الصوت ده:
كان صوت دانيال.
نفس الصوت اللي سمعته في التسجيل.
نفس النبرة.
نفس الطريقة اللي كان بينطق بيها اسمي.
لكن دانيال مات من 26 سنة.
أو:
على الأقل:
ده اللي كنت مصدقاه طول عمري.
ما حد فينا اتحرك.
حتى الرجل العجوز كان واقف مكانه، وعينيه على الباب.
الطرق اتكرر.
ثلاث مرات.
وبعدين الصوت قال:
ماما افتحي.
وقتها رجلي ما شالتنيش.
وقعت على الكرسي.
لأن ما في إنسان في الدنيا ممكن يقلد صوت ابني بالطريقة دي.
أنا عشت مع دانيال 18 سنة.
كنت أعرف صوته وهو فرحان.
وأعرفه وهو زعلان.
وأعرفه وهو بيصحى من النوم.
والصوت اللي ورا الباب:
كان صوته.
بالضبط.
زوجي وقف قدامي وقال:
ما تفتحيش.
لكن أنا همست:
لازم أعرف.
قربت من الباب.
حطيت إيدي على المقبض.
وسألت:
لو أنت دانيال قول لي حاجة ما حد يعرفها غيري وأنت.
سكت الصوت.
ثوانٍ طويلة.
وبعدين قال:
يوم ما كنت عندي 13 سنة أنت خيطت المركب الأحمر في الجاكيت، وأنت كنت متضايقة عشان غرزة طلعت معوجة.
دموعي نزلت فورًا.
المعلومة دي ما حد يعرفها.
ولا حتى زوجي.
فتحت الباب.
لكن:
ما كان فيه حد.
الرصيف قدام الكنيسة كان فاضي.
بصيت يمين وشمال.
ما في غير سيارة سوداء بعيدة، بدأت تتحرك ببطء.
زوجي جري ناحية الباب:
استني!
لكن السيارة اختفت عند أول شارع.
رجعت للداخل.
الرجل العجوز كان واقف جنب الطاولة، ووشه شاحب.
قلت له:
مين كان هنا؟
قال:
أوين.
أوين؟!
هز راسه:
أيوه.
طب فين؟
ما دخلش.
اتصدمت.
يعني إيه؟
قال:
وقف بره الباب بس.
سألته:
وإزاي عرف حاجة عن المركب الأحمر؟
بص لي مباشرة وقال:
لأنه هو اللي كان مع دانيال يوم خياطة الجاكيت.
حسيت إن الدنيا بتلف.
أنت بتقول إيه؟
فتح درج المكتب وطلع ورقة قديمة.
دي كانت عندي من 26 سنة.
أخذتها.
كان عليها خط دانيال.
وكان مكتوب:
أوين شاف كل حاجة.
قعدت.
ليه دانيال ما قال لي عنه؟
الرجل رد:
لأنه كان خائفًا عليك.
زوجي سأل:
خائفًا عليها من مين؟
الرجل بص لنا.
وبصوته الواطي قال:
من الدكتور.
رجعت أبص للصورة.
الدكتور واقف بين دانيال وأوين.
قلت:
إيه علاقة الدكتور بأوين؟
قال:
الدكتور هو اللي كان بيدور على أوين.
ليه؟
لأن أوين كان شاهدًا.
شاهدًا على إيه؟
سكت.
وبعدين قال:
على اللي حصل في المستشفى.
حسيت إن نفسي انقطع.
قلت:
أنا كنت هناك.
أيوه.
أنا كنت جنب ابني طول الوقت.
قال:
كنتِ هناك لكن مش كل الوقت.
الكلمة دي ضربتني.
افتكرت آخر يوم.
افتكرت إني خرجت من الغرفة دقائق قليلة عشان أجيب حاجة من الصيدلية.
ولما رجعت:
كان الدكتور جوه لوحده.
ودانيال كان نايم.
وقتها ما شكيت في حاجة.
الرجل كمل:
في الدقائق دي حصلت حاجة.
إيه؟
قبل ما يجاوب:
باب الكنيسة اتفتح فجأة.
دخل شاب في منتصف الثلاثينات.
كان لابس جاكيت أسود، وفي إيده ظرف.
بص لي مباشرة وقال:
مدام نورا؟
قلت:
أيوه.
قال:
أنا جاي من عند أوين.
وقفت.
هو فين؟
قال:
مش هأقدر أقول.
ليه؟
مد لي الظرف.
لأنه قال إنك لو عرفتي مكانه قبل ما تقري ده، هتروحي له فورًا.
فتحت الظرف.
جواه صورة حديثة.
صورة أوين.
لكن المرة دي كان واقف قدام مستشفى.
مستشفى مختلفة تمامًا.
وتحت الصورة عنوان.
قريته.
وحسيت بقلبي بيقع.
لأن ده كان نفس المستشفى اللي اتكتب في شهادة وفاة دانيال.
رفعت عيني للشاب.
ليه أوين موجود هناك؟
قال:
لأنه بيحاول يلاقى شخصًا واحدًا.
مين؟
بص لي وقال:
الشخص اللي استلم ملف دانيال بعد وفاته.
وبعدين سكت لحظة.
وأضاف:
وهو نفس الشخص اللي احتفظ بنسخة من شهادة الوفاة الأصلية.
بصيت للورقة.
كان فيه شيء غريب.
رقم شهادة الوفاة مختلف عن الرقم اللي عندي في البيت.
قلت:
دي مش نفس الشهادة.
الشاب هز راسه:
عارف.
يعني إيه؟
قال:
يعني واحدة من الشهادتين مزورة.
ساد الصمت.
وبعدين:
مد إيده لجيب الجاكيت، وطلع ورقة صغيرة.
وأوين قال لي أقولك حاجة أيرة.
إيه؟
قرب مني وقال:
لو عايزة تعرفي مين دانيال الحقيقي دوري على الاسم اللي اتكتب مكان اسمه في أول ملف طبي.
وبعدها مشي.
فضلت واقفة.
مش قادرة أفهم.
لكن فجأة:
افتكرت حاجة.
حاجة صغيرة جدًا حصلت يوم وفاة دانيال.
الممرضة دخلت وقتها وقالت لي:
مدام نورا، ممكن تمضي هنا؟
وأنا من شدة الصدمة:
مضيت.
لكن الورقة اللي مضيت عليها:
ما كانت ورقة خروج.
ولا شهادة وفاة.
كانت ورقة طلب نقل ملف.
وأنا وقتها ما قريتها.
طلعت من الكنيسة وأنا حاسة إن حياتي كلها بتتفك قدامي.
ولما رجعت البيت، فتحت درجًا قديمًا كنت محتفظة فيه بكل أوراق دانيال.
دورت بعشوائية.
ولقيتها.
الورقة اللي مضيت عليها من 26 سنة.
وفي أسفل الصفحة:
كان فيه اسم مكتوب بخط اليد.
اسم شخص ما عمري ما سمعته في حياتي.
لكن تحت الاسم كان مكتوب:
ولي أمر بديل.
وفي نفس اللحظة:
رن جرس البيت.
بصيت لزوجي.
مين هييجي دلوقتي؟
فتحنا الباب بحذر.
وكان واقف قدامنا رجل كبير في السن.
أول ما شافني:
قال:
أنا والد أوين.
وسلمني صورة قديمة.
وقال:
وابني عايزك تعرفي ليه هو اختفى من حياتك 26 سنة.
بصيت للصورة:
وكان دانيال وأوين واقفين جنب بعض.
لكن في الخلفية:
كان فيه طفل صغير.
والطفل كان لابس نفس الجاكيت.
نفس المركب الأحمر.
والغريب:
إن الصورة كانت متصورة قبل ما دانيال يتولد بسنتين.
فضلت باصة للصورة وأنا مش قادرة أرمش.
قلت للرجل:
دي مستحيل تكون صورة دانيال وأوين قبل ما دانيال يتولد بسنتين!
والد أوين…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




