
كان من ينظر إلى عائلة ويستوود يظن أنهم خلقوا ليكونوا على أغلفة المجلات. قصر يطل على البحر نوافذه الزجاجية تعكس زرقة الماء وحدائق ممتدة بعناية وأسطول من السيارات الفاخرة المصطفة أمام المدخل الحجري. وفي قلب كل هذا الثراء طفلة واحدة فقط إيزابيلا.
-
اختفت سباحة أولمبية شابة أثناء تدريبهامنذ 22 ساعة
-
مفاجأة جديدة في قصة بسنت سليمانمنذ 22 ساعة
-
جوزي مصمم يعمل عيد ميلادهمنذ يومين
قال الأطباء إنها ولدت فاقدة للبصر.
قالوا ذلك بلهجة قاطعة مدعومة بتقارير طبية تحمل أختاما لأغلى المستشفيات وأشهر المتخصصين في البلاد.
لم يكن المال عائقا.
جيمس ويستوود قطب المال المعروف أنفق الملايين على الفحوصات والعلاجات والتجارب الطبية وجلب خبراء من دول بعيدة لكن النتيجة كانت واحدة دائما
العمى غير مفسر وغير قابل للعلاج.
كبرت إيزابيلا في عالم مظىلم على الأقل في نظر الجميع.
مدارس خاصة جلسات علاج لا تنتهي تمارين يومية وأطباء يزورون القصر كما لو كانوا جزءا من الأثاث.
أما جيمس فكان يراقب ابنته وهي تكبر داخل ظلام لم يستطع المال اخىراقه ويزداد داخله شعور ثقيل بالعىجز شعور لم يعرفه من قبل.
ثم جاءت ماريا.
لم تكن مختلفة في مظهرها.
امرأة بسيطة جاءت من قرية صغيرة تحمل حقيبة متواضعة وعينين متعبتين من الحاجة.
كانت الوظيفة بالنسبة لها فرصة لا تتكرر حياة جديدة وربما خلاصا من الفقر الذي تركته خلفها.
في يومها الأول في القصر قادتها مدبرة المنزل في جولة سريعة شرحت لها القواعد الصارمة وأكدت عليها أمرا واحدا مرارا
الآنسة إيزابيلا تعاملينها بحىذر لا تسألين لا تتدخلين.
رأتها ماريا للمرة الأولى في الصالة المطلة على البحر.
طفلة تجلس بهدوء نظارتها السوداء الكبيرة تخفي عينيها ويديها موضوعتان على ركبتيها بثبات غريب.
شيء ما لم يكن مريحا.
ليس شفقة
بل إحىساس خفي بأن هناك تفصيلة لا تنسجم مع الصورة.
راقبتها من بعيد.
لاحظت كيف تتحرك إيزابيلا في المكان دون أن تصطذم بشيء.
كيف تتجنب الطاولات والكراسي بدقة
غير مألوفة لطفلة قيل إنها لا ترى.
في البداية أقنعت نفسها أن ذلك نتيجة التدريب الطويل لكن الشك لم يغادرها.
مرت الأيام وماريا تراقب بصمت.
لاحظت أن إيزابيلا لا تتعثر إلا عندما يكون والداها قريبين.
لاحظت أن عينيها خلف النظارة تتحركان أحيانا باتجاه الطيور خارج النافذة حين تكون وحدها.
ورأتها مرة في غرفة الخدم تبتسم وهي تشاهد الرسوم المتحركة على التلفاز الصغير تبتسم كما يبتسم الأطفال الذين يرون الألوان.
في أحد الأيام خرجت ماريا إلى الحديقة الخلفية لتجد إيزابيلا وحدها.
كانت الطفلة جالسة على المقعد تمسك كتابا عاديا.
ليس كتاب برايل.
كتابا بنص مطبوع.
كانت تقرأ.
توقفت ماريا في مكانها وقلبها يخفق بعىف.
قبل أن تنطق بكلمة شعرت إيزابيلا بوجود أحد خلفها فأغلقت الكتاب بسرعة وارتدت تلك النظرة الفارغة التي اعتادها الجميع.
لكن الأوان كان قد فات.
اقتربت ماريا بخطوات بطيئة وهمست بصوت بالكاد يسمع
منذ متى وأنت تتظاهرين يا صغيرتي
تجمدت إيزابيلا.
ارتجفت شفتاها وتغير لون وجهها.
للمرة الأولى منذ ثماني سنوات أدركت أن سرها لم يعد سرا.
فتحت فمها والدموع تتجمع في عينيها وقالت بصوت مكىسور
أنت لا تفهمين لو عرفوا أنني أرى أنا
انفتح باب الحديقة.
كان جيمس ويستوود واقفا هناك.
لم يكن في وجهه ذهول ولا دهشة.
كان هناك غضب هادئ محكوم مخيف.
قال بصوت منخفض
إيزابيلا. ادخلي إلى الداخل. الآن.
نهضت الطفلة فورا وأسىقطت الكتاب على الأرض دون أن تلتقطه ونظرت إلى ماريا نظرة واحدة فقط نظرة تحىذير صامتة.
وبقيت ماريا وحدها أمام رجل اعتاد أن تنفذ أوامره دون سؤال.
اقترب جيمس خطوة أخرى.
قال
منذ متى وأنت تراقبين ابنتي
ارتبكت ماريا لكنها لم تكذب.
لم أراقب أنا فقط لاحظت.
لاحظت ماذا
تنفست بعمق وقالت الحقيقة
لاحظت أن ابنتك ترى. وأنك تعلم ذلك.
ساد الصمت.
طويلا ثقيلا.
ثم جلس جيمس على مقعد الحديقة ووضع يديه على وجهه وكأن وزن السنوات كلها هبط عليه دفعة واحدة.
قال أخيرا
اجلسي لقد حان الوقت أن تعرفي.
جلست ماريا ببطء قبالة جيمس ويستوود.
كانت الحديقة هادئة وصوت البحر يصل خافتا لكن داخل صىدره كان هناك اضطراب لا يشبه شيئا عرفه من قبل.
مرت لحظات قبل أن يتكلم وكأنه يختار الكلمات من قاع عميق.
قال بصوت منخفض
قبل ثماني سنوات كنت في ذروة صعودي. صفقة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تجعل اسمي يكتب بين كبار رجال المال في أوروبا.
رفع رأسه قليلا ونظر إلى الأفق ثم تابع
شريكي في تلك الصفقة كان أقرب الناس إلي. ماركوس تشين. لم يكن مجرد شريك عمل كان صديقا. أخا.
توقفت ماريا عن التنفس تقريبا وهي تستمع.
قبل توقيع الاتفاق بأسابيع وصلتني تقارير سىرية. أرقام حقيقية غير قابلة للتأويل. الشركة التي كنا ندمجها كانت على وشك الانىهيار. الإفلاس كان حتميا.
ابتلع ريقه بصعوبة.








