روايات وقصص

قلب بقلم حمادة هيكل

أنا حربي، عندي 34 سنة، عازب، ليس لي أحد. توفي والداي وأمي من زمان، وعمى هو الذي رباني، لكن زوجته كانت قاسية عليّ أنا وأختي منذ الصغر. كان لنا ورث عند خالي فؤاد، ولكن للأسف، أنكره كله وقال إن أمي كتبت له حقها في ورث أبيها “بيع وشرا” وصرفته على علاج والدي المريض.

 

أنا طبعاً لم أصدق هذا الكلام، لأني أذكر جيداً قبل وفاة أمي بشهرين، أخذتني معها عند أخوها فؤاد، وطلبت منه أن يعطيها ورثتها، وقالت له إنها والعيال ليس لهم أحد في الدنيا غيرك أنت وعمهم، وعمهم ظروفه صعبة، ولهم حق عندك، وهذا ورثي من أبي. زعق فيها وقالها “أنتِ ليس لكِ شيء عندي”، وبعدها طردنا.

والذي وجعني أكثر أن كل هذا حدث أمام ياسمين ابنته، والتي كنت أحبها أوي، وهي كمان كانت بتبادلني نفس الشعور. عكس أخوها كريم اللي كان لا يطيق يشوفني. حسيت إني انكسرت قدامها، وكنت أشوف نظرة الذل في عيون أمي وهي مريضة وجوزها ميت ومش عارفة تجيب حقها وحق ولادها من اخوها الظالم.

ماتت أمي بحسرتها، وطلعت أنا من الإعدادي عشان أشتغل وأساعد مع عمي في المصاريف. فضلت أشتغل وقدرت أجهز أختي وجوزتها في البلد عندنا، ونزلت على مصر من عشر سنين. العيشة هنا صعبة أوي عكس عيشة الأرياف. اشتغلت في كذا شغلانة وفضلت أتنقل من هنا لهنا، والدنيا “ملطشة” معايا ع الآخر.

من كام سنة كنت اشتغلت في مصنع نسيج وتعرفت على حسان، ولد “مجدع” وصاحب صاحبه، ظروفه نفس ظروفي عايش لوحده في غرفة فوق السطوح. لي فترة الأمور معايا “ملخبطة”، سبت التاكسي اللي كنت راكب عليه وعاطل والحالة معايا من “تحت الصفر”.

عندي صديق ليا في قريتنا اسمه هاني المنشاوي، كلمني من شوية وقالي “خالك فؤاد تعبان جداً”. فكرت أني لو روحتله واتكلمت معاه من تاني وطلبت منه ورثتي، يمكن قلبه يحن ويرجع لي حقي، عشان يقابل رب كريم وهو مرتاح ومش واكل حق ولاد أخته.

كلمت حسان وقولتله “بكرة الصبح رايح البلد أزور خالي وهو بيموت واطلب منه حقي لاخر مرة، يمكن يوافق ويرجعهولي”، وطلبت منه 500 جنيه سلف لحد ما الدنيا تمشي. قالي “أنا كمان عايز أزور بلدكم، اهو أكون معاك وكمان أغير جو وأرتاح من ضغط الشغل”.

نمت ليلتها عنده، وتاني يوم كان حسان راح شغله وقدم على أجازة 3 أيام، وبعد الظهر رجع وأخذنا ميكروباص وسافرنا على الغربية. وصلنا القرية بعد العصر.

روحت على بيت هاني صاحبي أسلم عليه، رحب بينا جداً وقالي “يااه أكتر من عشر سنين يا راجل مشفناش بعض فيهم”.
قلت له: “أعمل إيه بقى، اهو أكل العيش. كان نفسي أجي البلد بس بعد ما أختي اتجوزت وسافرت ع الخليج مع جوزها وأنا حسيت إني رجلي اتقطعت ومبقليش حد”.
قالي: “عيب تقول كدا، أومال أنا رحت فين؟ بيتك ومطرحك وأنا مشلتكش الأرض نشيلك على راسنا”.
قلت له: “كلك واجب والله يا هاني. طيب أنا هسيب حسان هنا عندك وأروح على بيت خالي”.
قالي: “معلش بقى يا حسان”.
قاله: “ولا يهمك يا صاحبي، ربنا معاك”.

روحت على بيت خالي وأنا “بقدم رجل وبأخر التانية”، وخائف من مواجهته رغم إني صاحب الحق. بس لما وصلت الفيلا وقبل ما أدخل، سمعت صوت صراخ وبكاء من جوا. للأسف، خالي مات.

حسيت إني خسرت كل حاجة، أملي الوحيد في إن أتكلم معاه وأحنن قلبه ويرجع لي حقي خلاص راح. وكريم ابنه بيكرهني ولا يمكن يرجع لي حقي. رجعت على بيت هاني وأنا حزين. حسان شافني زعلان وقالي “إيه، مرضيش يديلك حقك برضو؟”.
قلت له: “للأسف مات قبل ما أشوفه”.
قالي: “لا اله الا الله، الله يرحمه”.
قلت: “دا ميتجوزش عليه الرحمه، دا واكل حقي وحق أختي أمي برتها، ربنا ينتقم منه”.
قالي: “وحد الله يا حربي واهدأ كدا”.
قلت له: “أهدأ.. أنا مش ههدأ إلا لو حقي رجع”.
قالي: “هيرجع أزاي، هتروح لكريم ابن خالك؟”.
قلت: “لأ.. أستحالة هيدفع لي جنيه واحد”.
قالي: “طيب هتعمل إيه؟”.

رجعت مع حسان مصر، وفضلت أفكر في طريقة أسترد بها حقي، إلى أن علمت ياسمين بخبر وفاة والدها وحضرت العزاء، وشعرت بالندم على ما فعلته في الماضي مع والدة حربي. تواصل كريم مع حربي وقال له: “لقد أخطأت في حق والدتك، والآن أنا مستعد أن أعطيك حقك كاملاً، وننسى كل ما فات”.

وبعد فترة، تزوج حربي من ياسمين، وعاشا معاً في سعادة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى