
«انت مفلسة وفاشلة عسكرياً، ولا يوجد طريق شريف يمكن امرأة مثلك من حيازة هذه الاموال!» قطع صوت اختي “نادين” هدوء البهو الرخامي المليء بالزبناء في “بنك المشرق” بحي الصالحية. وامام عيني ابني الصغير “عمر” ابن الثماني سنوات والذي تملكه الرعب، خطفت الصك الحكومي ذا الملايين الخمسه من المكتب، وشقته الى نصفين، ثم القت القطع عند حذائي العسكري المبذول.
-
اتجوزت ظابط وعشت معاه ف السويسمنذ ساعتين
-
كذبت علي والديمنذ 3 ساعات
-
حماتى وضرتى لمنى السيدمنذ 3 أيام
ثم مزقته مرة اخرى.
كان صوت تمزيق الورق الحاد كانه يقطع ما تبقى من عرى الاخوة بيننا.
صرخت “نادين”: «اتصلوا بالشرطة! هذه المرأة تحاول إيداع اموال مسروقة، اريد طردها فوراً!».
سرت موجة من الاضطراب في بهو كبار العملاء؛ فرفع الزبناء هواتفهم للتصوير، وتوقف الصرافون عن العمل، واقترب حراس الامن.
انقبضت اصابع ابني على يدي.
نظرت الى الاسفل ومزايا الصك تتطاير في هواء البهو البارد لتسقط على الارضية المصقولة كاوراق الشجر الميتة. سقطت قطعة منها على رسمة الديناصور المرسومة على حقيبة ابني المنهكة.
لم اصرخ، ولم أبد أي مقاومة.
وقفت هناك فحسب، آخذة بيد طفلي، بينما كانت اختي تبتسم كانها حققت النصر الذي طالما انتظرته منذ صغرنا.
ما لم تدركه “نادين” هو ان الصك الذي مزقته لم يكن سوى دفعة مبدئية صغيرة؛ إذ إن الصفقة الحقيقية كانت تتعلق بعقد سري لإسكان وتقاعدات وزارة الدفاع بقيمة **سبعمائة وخمسين مليون ريال**… وكنت انا الشخص الوحيد الممكن من توقيعه واعتماده.
### **2. جراح الماضي**
وانا ارقب تلك القطع الممذوقة تستقر حول حذائي، جرتني المهانه الى الوراء—الى جرح قديم سعيت سنوات لدفنه تحت رداء الانضباط والواجب والصمت.
تذكرت رائحة زيت المحركات في القواعد العسكرية بعيداً عن الوطن.
تذكرت سترتي العسكرية المبذولة التي ارتديها الآن.
كانت هي السترة ذاتها التي أشار إليها زوجي السابق بازدراء في الليلة التي غادر فيها حياتنا؛ حين وقف في صالون بيتنا الضيق وحقيبته الجلدية المشدودة الى جانبه، ومفاتيح سيارته تنتخب في يده بقلق.
عد خدمتي العسكرية مجرد ذريعة للفشل المالي.
وقال إن ابننا سيكبر وهو يخجل من أم اختارت المهام الطويلة والقواعد المغمورة والعمل الحكومي على حساب الراتب المجزي.
وادعى أنه لقي أخيراً من تفهم ما يستحقه الرجل—سيدة أعمالثرية في العاصمة تستطيع أن تؤمن له أسلوب الحياة الذي كنت “عنيدة وفقيرة” عن تأمينه.
كنت أقف عند حوض المطبخ، أغسل طبق الإفطار البلاستيكي الخاص بابننا حين ألقى حكمه الأخير على أسرتنا.
تذكرت الماء الدافئ وهو ينساب على أناملي، ورغوي الصابون وهي تنزلق بين أصابعي.
ولكن أكثر ما ذكرته كان الخلاء المطلق في صوته حين قال إن طفلنا الصغير سيكون بحال أفضل بدونه.
لم يقبل الصبي قبلة الوداع، ولم يلتفت حتى نحو الغرفة التي كان ينام فيها الطفل وهو يضم ديناصوره القماشي الى وجنته.
خرج فحسب وأغلق الباب الرئيسي بقسوة.
سقطت صورة زفافنا الممطرة عن الجدار وتهشمت على الأرضية، وتسربت شظايا صغيرة منها تحت الثلاجة، حيث وجدت بعضها بعد أيام.
بعض الجراح تعلن عن نفسها فوراً، وبعضها الآخر يبقى خفياً حتى تطأه بقدميك.
كانت عائلتي تقيس التضحية العسكرية دائماً بالريالات والقروش، وفي أعينهم، لم تكن الأرقام تتطابق أبداً.
انحازت “نادين” لزوجي علنياً إبان الطلاق، وأخبرت والدينا أنني طردته بعنادي، وقالت للأقارب إنني فضلت مهنتي على بيتي. وكلما أبدى أحد طعناً أو أسفاً لحالي، كانت تصحح لهم: «”ريم” هي التي اختارت طريقها، وعليها الآن أن تتحمل النتائج».
فتحملتها.
ربيت ابني، وخدمت وطني، وتعلمت كيف أعيش دون أن أطلب من الناس أن يفهموا تضحيات قرروا منذ البداية أن يسخروا منها.
### **3. الطريق إلى البنك**
عدت بعقلي الى الحاضر وانا اقف في بهو البنك، وتذكرت سبب دخولنا الى المبنى قبل خمس عشرة دقيقة.
بدأ بعد الظهر هادئاً؛ إذ أوقفنا شاحنتنا القديمة والموثقة في الموقف الفسيح خارج “بنك المشرق”. كانت الشاحنة تبدو كأنها تعتذر عن وجودها بين السيارات الفارهة المصقولة والسيارات الرياضية المستوردة المصفوفة تحت ظلال الأشجار.
رنت أنبوبة العادم حين أطفأت المحرك، وكانت طبقة ناعمة من الغبار الأحمر المنبعث من الطريق غير المرفت خارج “وادي النخيل” تغطي غطاء المحرك وأسفل الزجاج الأمامي.
فك ابني حزام الأمان وسحب حقيبته الى حضنه.
كان سحابها ممزقاً، لكنه رفض استبدالها لأن صديقه المقرب في المدرسة رسم له ديناصوراً مائلاً على الوجه الأمامي بقلم عريض أبدي خلال الاستراحة. وبالنسبة له، كانت تلك الرسمة تجعل الحقيبة لا تقدر بثمن.
خرج من السيارة وانتظرني لأطوف وأفتح له الباب؛ وهي طقس صغير حافظنا عليه منذ أنكبر بما يكفي للجلوس في المقعد الأمامي.
كانت خطتنا بسيطة:
إيداع الأموال الحكومية، ثم المشي مسافة ثلاثة شوارع في الشارع الرئيسي وصولاً الى المكتبة ليشتري القصص المصورة الجديدة التي كان يجمع مصروفه من أجلها، ثم التوقف عند مطعم المشويات المفضّل لدينا قرب الجسر لتناول فطائر اللحم والبطاطا الحلوة.
هذا كل ما أردناه من اليوم؛ لا مراسم، ولا استعراض، ولا مواجهات. مجرد ظهيرة الثلاثاء هادئة في بلدة صغيرة.
لسنوات، تعمدت إبقاء هويتي المهنية سراً.
لم يكن أحد من معلمي ابني في المدرسة الابتدائية يعرف الحقيقة الكاملة، ولا حتى جيراننا في “وادي النخيل”؛ إذ كانوا يرون أمّاً مفردة منهكة تقود شاحنة قديمة، وتقص عشب حديقتها صباح السبت، وتصلح درجات جالستها دون الاستعانة بأحد.
لم يعلموا أنني تحت تلك السترة المبذولة والحذاء المغبور، كنت **العقيد ريم** في القوات العسكرية وممثلة سامية لوزارة الدفاع، يناط بي تنسيق مئات الملايين من الريالات لإسكان المحاربين القدامى، ومساعدة أسر العسكريين، وصناديق التقاعد.
2
اهانه فى البنك لمحمد نور
كنت أحتفظ بتلك المعلومات سراً بإرادتي؛ إذ أردت لابني أن يتعلم أن المعدن والأخلاق أهم من المنصب، وأن استقامة المرء وكلمته وسلوكه هي ما تحدد قيمته—لا العلامة المطرزة داخل السترة ولا الشعار المثبوت على غطاء السيارة.
### **4. خلف الجدار الزجاجي**
تغيرت الأجواء فور أن دفعنا الأبواب الزجاجية الثقيلة للبنك.
كان بهو كبار العملاء بارداً جداً كأنه معرض مبرد، وتفوح منه رائحة القهوة الفاخرة والرخام المصقول والعطور.
كانت الأرضية الرخامية تعكس الصور بوضوح جعلني أرى نعال حذائي المبذولة تنعكس عليها.
وقفت ثلاث صرافات شابات خلف منصة زجاجية طويلة، يتحدثن بصوت خافت ويتفحصن هواتفهن.
وتلاشت تعابير الترحيب عن وجوههن فور أن لاحظن سروالي العسكري، وسترتي المصفرة، ومفاتيح شاحنتي المغبورة، وقمیص ابني القطني الممزق.








