منوعات

الفلوس

عقد بيع ابتدائي لورشة ومخزن أبوه الله يرحمه، وعقد تاني مبايعة لقطعة الأرض اللي أصلها ملك مريم بتوقيع مزور! مصطفى ما اكتفاش إنه ياخد الفلوس اللي بتتبعت شهر بشهر، ده أخد توكيل عام كان أحمد عامله لأمه زمان عشان يخلص إثباتات وأوراق حكومية، واستغل التوكيل ده إنه يرهن البيت ويكتب الأرض والورشة باسمه، وبعدها ينزل بيهم في سوق المراهنات والقمار الإلكتروني عشان يسدد ديون الشيكات اللي عليه!

مصطفى صرخ واندفع عشان ياخد الأوراق من إيد أحمد:

— دي أرضنا كلنا! أنت فاكر نفسك هتاخد كل حاجة لوحدك عشان متغرب؟! أنا ليّا حق في البيت ده وفي الأرض دي!

أحمد مسكه من ياقة قميصه وضربه بقبضة إيده في وشه، ضربة هزت الصالة كلها ومصطفى وقع على الأرض ودمه سال من مناخيره.

الحاجة صفية صرخت وجريت على مصطفى:

— يا ملهوف! هتموت أخوك عشان حتة ورقة؟! ربنا يهد بيتك زي ما هديت عيلتك!

أحمد بص لأمه والدموع لأول مرة تلمع في عينيه، بس ما كانتش دموع ضعف.. كانت دموع قهر وندم:

— أنتِ مش أم.. أنتِ كنتِ العثّة اللي بتاكل في شقايا وسندي! أنا كنت بشتغل تحت الشمس وفي الغربة وفي عز الثلج وكنت فاكر إن ليّا ظهر بيحميني وعيلة بتدعي لي.. أتاريكي بتبني بيت ابنك الصايع من دم قلبي وعرق سنيني، وسايبة عيالي بياكلوا العيش الحاف!

الحاجة صفية بصلته بغل وقالت:

— أنت طول عمرك معاك وشبعان، إنما أخوك كان غلبان ومحتاج! أيوة أخدت فلوسك وأعطيتها له، ولو رجع البيع هعملها تاني! أنت مش ابني لو ما سددتش الديون دي وطلعت أخوك من المصيبة!

أحمد بص لها بمنتهى الجمود وقال كلمة واحدة:

— يبقى أنا مش ابنك من النهاردة.

لتلت أيام الجايين، أحمد ما نامش ساعة واحدة.

أول حاجة عملها، أخد مريم وعياله وراحوا على شقة مفروشة نظيفة في وسط البلد. جاب لهم أكل وهدوم جديدة، وقعد قدام مريم ومسك إيدها وباسها قدام الولاد:

— سامحيني يا مريم.. أنا كنت أعمى والغربة كانت عامية عيني عن الحق. أنتِ صنتيني وصنتِ عيالي وأنا ظلمتك.

مريم بصلته وقالت له:

— أنا مش زعلانة منك يا أحمد، أنا زعلانة عليك وعلى السنين اللي ضاعت من عمرك وأنت فاكر إن اللي من دمك بيحبوك.

أحمد ما ضيعش وقت؛ نزل مع محامي كبير ورفع قضايا مستعجلة:

* قضية تزوير وتبديد ضد مصطفى والحاجة صفية بخصوص التوكيل واستخدامه في غير موضعه.

* بلاغ رسمي في النيابة بإثبات حالة الرهن المزور على البيت والأرض، واستدعاء المحامي إبراهيم والبنك الممول.

* قضية إثبات نسب وتأدية نفقة لنورهان وابنها.

لما مصطفى عرف إن الشرطة بتدور عليه في قضايا تزوير وشيكات بدون رصيد، حاول يهرب ويسافر برة القاهرة، بس الاتصالات والتحريات جابته، واتقبض عليه في شقة في الإسكندرية وهو بيحاول يبيع سبيكة دهب كان سرقها من الحاجة صفية!

في يوم المحاكمة، الحاجة صفية جات القاعة وهي ماشية بالعكاز وبتعيط، حاولت تقرب من أحمد وتتمسح فيه:

5

الفلوس

— يا أحمد يا ابني.. ابوس إيدك اسحب القضايا، أخوك هيروح في داهية والمحكمة هتسجنه! يرضيك أخوك يتربى في السجن؟

أحمد بص لها بجمود وما اتهزش:

— اللي يرضيني إن الحق يرجع لأصحابه، وأنك تفهمي إن الظلم له نهاية. أنتِ اللي رميتيه في السجن لما طمعتيه في حق غيره.

المحكمة حكمت بالسجن 5 سنين لمصطفى بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال وتقييد رهن مزور، وإلزامه بدفع كافة المبالغ المنهوبة. والبيت والأرض رجعوا كاملين لأحمد ومريم بقوة القانون.

أما الحاجة صفية، لما لقت إن كل حاجة ضاعت، وإن مصطفى اتسجن، وأحمد قفل كل الأبواب في وشها، اضطرت ترجع تقعد في شقة قديمة حيلتها في إحدى القرى، تعيش على المعاش البسيط ومن غير ما حد من القرايب يسأل عنها، بعد ما الكل عرف اللي عملته في ابنها الكبير وعياله.

بعد سنة واحدة..

أحمد فتح شركة صغيرة لتوريدات الحديد والمقاولات في طنطا، ومبقاش يسافر تاني برة مصر. مريم وسعت المشغل بتاعها وبقى عندها خط إنتاج كامل، ومالك وجنى رجعوا مدارسهم وهم فرحانين وشبعانين بحب أبوهم وأمهم.

في يوم، أحمد كان قاعد في جنينة البيت الجديد اللي اشتراه باسم مريم، مالك كان بيلعب بالكورة وجنى بتذاكر جنبهم.. أحمد فتح الكشكول القديم، الكشكول اللي كان فيه رسمة الديناصور وصفحات القهر، أخد قلم وكتب تحت آخر صفحة:

“النهارده سددت أخر قرش، ورجعت حق عيالي.. اتعلمت إن العيلة مش بالدم، العيلة هي اللي تصونك في غيابك وما تاكلش حقك لما تأمنها.”

وقفل الكشكول ورماه في النار، وهو بيتفرج على الأوراق وهي بتتحول لرماد.. رماد لماضي وجعهم، وبداية لحياة جديدة مفيهاش مكان .

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى