عام

حكاية سليم وليلى للكاتبة ملك إبراهيم

مد ايده لها وقال:”الملف “

حطت الملف قدامه وهي مكسوفة من الموقف كله.

سليم مسك الملف في ايده وبيبص فيه بنظرة سريعة بس نظرة دكتور شاطر بيلقط كل حاجة من أول مرة.. عينيه كانت بتتحرك بسرعة على الأشعة، على كلام الدكاترة اللي كاتبين ان حالة الطفل حرجة، ثقب كبير ولازم تدخل جراحي فوري: “هو أخوكي صح؟” سألها وهو رافع عينه ليها، صوته لسه هادي بس المرة دي كان فيه جدية.

ليلى كانت واقفة قدامه متوترة أوي، ايديها بتلعب في طرف طرحتها، مش قادرة تبص في عينيه من الكسوف بعد اللي قالته عليه بره: “آه” هزت راسها بـ آه، كلمة صغيرة بس طالعة من قلبها بوجع، آه أخويا، ملوش غيري ، هو كل حاجة ليا في الدنيا.

سليم قفل الملف وحطه على المكتب قدامه، وبص لها بصة طويلة.. كان شايف بنت صغيرة أوي على الهم اللي شايلاه، ملابسها دايبة بس عينيها فيها قوة غريبة، قوة أم مش أخت: “تقدري تجيبيه المستشفى دلوقتي.. لازم أعمله إشاعات وتحاليل هنا الأول” قالها بنبرة عملية، نبرة دكتور متعود يدي أوامر وان الكل يسمعها.

ليلى رفعت وشها فجأة، عينيها العسلي لمعت بخوف وتوتر، الخوف بتاع الفلوس، الخوف اللي اتربت عليه طول عمرها.. الفقر بيعلم الواحد يسأل عن تمن كل نفس بيتنفسه: “والإشاعات والتحاليل دي بفلوس ولا مجانا هنا تبع العملية” قالتها بسرعة وتردد، صوتها واطي ومكسوف كأنها بتشحت، ايديها اتشبكت في بعض جامد.

سليم فهم نظرتها في ثانية.. النظرة دي شافها كتير في عيون الأهالي الغلابة اللي بييجوا المستشفى، نظرة الخوف من الفاتورة قبل الخوف من المرض.. قام من على الكرسي بتاعه، كان طويل وعريض والبدلة اللي لابسها متفصلة عليه، قرب خطوتين ناحية الازاز اللي بيبص على المستشفى كلها: “على حساب المستشفى.. بس يكون هنا في خلال ساعتين بالكتير متتأخريش” رد عليها وهو مديها ضهره، قالها كأنه بيقول حاجة عادية مش مستاهلة شكر، بس صوته كان حنين من غير ما يقصد.

ليلى حست بقلبها هيقف من الفرحة، أول مرة من شهور تحس ان في باب اتفتح، ان في أمل بجد مش كلام موظفين: “يعني ممكن تعملوا لـ كريم العملية قبل سنة؟” بصت له بأمل، عينيها بتلمع وشفايفها بتترعش، كانت عاملة زي طفلة صغيرة مستنية حد يقولها متخافيش.. اطمني انتي مش لوحدك.

سليم لف لها تاني، سند بايده على المكتب وبص لها بهدوء.. كان شايف لهفتها، شايف ازاي روحها كلها متعلقة في الرد بتاعه: “هاتيه نعمله التحاليل والإشاعات ونحدد” رد بهدوء، مقالش آه ومقالش لأ، قالها بطريقة دكتور فاهم انه مينفعش يدي وعد قبل ما يشوف الحالة بعينه.

بس ليلى مش محتاجة أكتر من كده.. كلمة “هاتيه” لوحدها كانت بالنسبة لها حياة.. اتحركت بحماس، كأن حد اداها طاقة، مسكت شنطتها بسرعة: “حاضر.. هجيبه حالا لحضرتك”

قالتها وهي بتجري ناحية الباب، طرحتها طايرة وراها، نسيت حتى تقول شكرا من كتر ما هي طايرة من الفرحة، كانت بتسابق الحياة نفسها.

وخرجت بسرعة من المكتب وكأنها بتسابق الزمن.. سابت ريحة خفيفة وراها، ريحة عطر رقيق.. لكن واضح انه رخيص من بتاع الناس الغلابة ، ريحة فضلت في مكتب سليم بعد ما مشيت.

رواية سليم وليلى بقلمي ملك إبراهيم.

سليم سند ضهره على الكرسي الجلد الغالي وهو بيبص قدامه بتفكير.. الكرسي كان كبير وبيلف، والمكتب كان واسع وازاز بيبص على النيل، بس هو مكنش شايف النيل.. كان شايف وشها.. وش البنت اللي قالت عليه بكرش.. افتكر ازاي كانت بتعيط في الأسانسير، وازاي كانت بتقول كله يهون عشان خاطر كريم.. وازاي عينيها كانت حمرا وبتلمع.. بس لسه حلوة.

مسك الملف تاني وفتحه، كان فيه صورة لكريم.. ولد صغير 8 سنين، وشه شاحب وعينيه شبه عيون ليلى بالظبط.. حس بغصة في قلبه.. هو متعود على حالات القلب، متعود يشوف أطفال بتموت، بس المرة دي كان مختلف.. يمكن عشان شاف أخته وهي بتحارب الدنيا لوحدها.

قام وقف مرة واحدة وداس على زرار الانتركم: “دكتورة سما.. تعاليلي المكتب حالا” قالها بنبرة آمرة.

بعد دقيقتين الباب اتفتح ودخلت دكتورة سما.. كانت داخلة كأنها داخلة عرض أزياء مش مستشفى.. لابسة بالطو أبيض مفتوح وتحته فستان اسود قصير شيك أوي، شعرها الأشقر معمول بيبي ليس وريحتها برفان قوي مالي المكان، كعبها عالي بيطقطق على الأرض الرخام.. وشها حلو بس مليان ميكب، وعينيها الخضرا بتبص لسليم بصة كلها حب وتملك.

كانت بنت من عيلة غنية أوي، باباها صاحب أكبر شركة أدوية، ومامتها صاحبة مامت سليم، متربية ان كل حاجة عايزاها بتاخدها: “سليم.. عايزني ؟” قالتها بدلع وهي بتقرب منه وبتقعد على طرف المكتب بتاعه، بتحاول تبين رجليها.

سليم بعد عنها خطوة لا إرادية، هو مبيحبش ريحتها القوية ومبيحبش طريقتها: “الحالة دي هتيجي كمان ساعتين.. ولد 8 سنين ثقب في القلب.. عايزك تجهزي أوضة وتجهزي كل التحاليل والإشاعات.. وهاتيلي دكتور تخدير شاطر يكون جاهز لو احتاجته في اي وقت” قالها وهو بيديها ملف كريم.

سما خدت الملف ببرود وبصت عليه بقرف خفيف، قلبت فيه بسرعة: “حالة مجاني تاني؟ يا سليم انت هتقلب المستشفى جمعية خيرية ولا ايه؟ كل يوم حالة ببلاش.. بابي بيقولي المستشفى بتخسر بسبب الحالات دي” قالتها وهي بتلوي بوقها، كانت بتبص للملف كأنه حاجة مقرفة.

سليم بص لها بصة باردة، البصة اللي بتخلي كل الدكاترة تخاف منه: “المستشفى بتاعتي وأنا حر أعمل اللي أنا عايزه.. اعملي اللي قولتلك عليه يا دكتورة سما” قالها بنبرة حادة خلت وشها يحمر.

سما قامت وقفت وعدلت فستانها بغيظ: “حاضر يا دكتور سليم” قالتها بغيظ مكتوم، وخرجت وهي بتطقطق بكعبها جامد، رزعت الباب وراها.

سليم رجع قعد على الكرسي وتنهد.. كان عارف ان سما بتحبه، وكل العيلتين عايزين يجوزوهم لبعض، بس هو عمره ما شافها أكتر من زميلة متعجرفة.. هو عايز واحدة طبيعية.. واحدة زي.. وسكت.. زي مين؟ زي البنت اللي قالت عليه بكرش؟ ضحك ضحكة صغيرة لوحده……بقلمي ملك إبراهيم.. يتبع في الجزء الثاني

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى