منوعات

لما طلعت الطياره

عندي 12 سنة، ولما طلعت الطيارة لقيت راجل قاعد مكاني في الدرجة الأولى، بص على تذكرة السفر بتاعتي وقال بمنتهى البرود

شوفي لكِ مكان تاني.

ما اتخانقتش معاه، وما عيطتش.

كل اللي عملته إني بعدت عنه واتصلت بأبويا.

بعد عشر دقايق بس، الطيارة اتوقفت قبل ما تقلع.

ولما الأمن راجع حجز الراجل، واحد منهم همس

الراجل ده أصلًا ما كانش المفروض يركب الطيارة دي.

ساعتها الراجل مد إيده على شنطته الجلد السودا.

واللي محدش كان يعرفه وقتها إن الشنطة دي هي اللي كانت هتكشف كل حاجة.

أنا كنت عندي 12 سنة وقتها.

وكانت دي أول مرة أسافر فيها لوحدي.

التذكرة كانت درجة أولى، والمقعد بتاعي كان رقم 2A جنب الشباك.

الرحلة كانت من مطار القاهرة لمطار مدريد، وكنت رايحة أقابل أبويا اللي كان موجود في إسبانيا بقاله كام يوم عشان يخلص صفقة مهمة لشركته.

كنت لابسة فستان أزرق بسيط، وكوتشي أبيض، وحاطة حاجتي في شنطة ظهر صغيرة.

كل حاجة كانت ماشية عادي جدًا

لحد ما دخلت الطيارة.

وصلت للمقعد 2A، وبصيت على رقم التذكرة مرة تانية.

2A.

مكاني.

لكن كان فيه راجل قاعد هناك.

راجل في أواخر الأربعينات تقريبًا، لابس بدلة كحلي غالية جدًا، وساعة في إيده شكلها لوحدها تجيب تمن عربية.

وحاطط شنطة جلد سودا على رجله.

قربت منه وقلت بأدب

لو سمحت يا فندم أنا أعتقد إن فيه غلط. حضرتك قاعد في مكاني.

مديت له التذكرة.

الراجل أخدها وبص عليها.

وبعدين بص على الجزمة بتاعتي.

وبص على الفستان.

وبعدين رفع عينه وبصلي في وشي.

وقال

أنا عارف مكتوب إيه.

اتكسفت

شوية، بس رديت

أصل ده المقعد بتاعي فعلًا.

اتسند براحة على الكرسي وقال

بصي يا بنتي أنا عندي شغل ومحتاج أقعد هنا. إنتِ ممكن تقعدي في أي مكان تاني.

بصيت له باستغراب.

بس أنا حاجزة 2A.

ابتسامته اختفت.

وقال بنبرة حادة

المقعد ده بتاعي دلوقتي. روحي اقعدي في مكان تاني بدل ما أنده المضيفة وتخرّجك من هنا.

حسيت إن ناس كتير بدأت تبص علينا.

خصوصًا إننا في درجة رجال الأعمال، وكل اللي حوالينا تقريبًا سمعوا الكلام.

قربت مضيفة الطيران بسرعة وقالت

في مشكلة يا فندم؟

رفعت لها التذكرة.

أنا المقعد بتاعي 2A.

المضيفة مدت إيدها عشان تتأكد.

كنت ممكن أفضل واقفة وأصر على حقي.

وأقدر أعمل مشكلة.

وأقول له إنه واخد مكاني.

لكن في اللحظة دي افتكرت جملة أبويا اللي كان دايمًا بيقولها لي

لما حد يحاول يصغّرك عشان يحس إنه كبير، ما تدخلش معاه في خناقة خليكِ ساكتة وراقبي.

بصيت للراجل وقلت

خلاص، مفيش مشكلة.

لميت شنطتي ومشيت.

الراجل ابتسم ابتسامة انتصار.

واضح إنه كان مستني إني أعيط أو أعمل دوشة.

لكن أنا ما عملتش أي حاجة.

مشيت لورا وقعدت في مكان تاني فاضي.

المضيفة لحقتني وقالت

يا آنسة، أنا ممكن أراجع الحجز وأحل الموضوع.

هزيت راسي.

مش مهم. أنا بس محتاجة أعمل مكالمة.

دخلت ناحية المطبخ الصغير في آخر الطيارة، طلعت موبايلي، واتصلت بأبويا.

رد من أول رنة تقريبًا.

ألو؟ يا مريم؟ وصلتي الطيارة؟

بصيت ناحية الراجل اللي كان قاعد مكاني.

آه تقريبًا.

سكت لحظة.

أبويا عرف على طول إن في حاجة حصلت.

في إيه؟

قلت له

فيه راجل أخد مكاني.

أخد مكانك إزاي؟

قاعد في 2A، وأنا وريته التذكرة، بس قال لي أقعد في أي مكان تاني.

صوت أبويا اتغير.

هو هددك؟

قال إنه هينادي حد يخرجني من هناك.

سكت.

أنا كنت عارفة السكوت ده.

ده نفس السكوت اللي أبويا بيعمله لما يكون متعصب جدًا ومش عايز يتكلم وهو متضايق.

بعد ثواني قال

أبواب الطيارة اتقفلت؟

بصيت قدامي.

لسه.

تمام.

قلت بسرعة

بابا، أنا مش عايزاك تعمل مشكلة عشان كرسي.

رد بهدوء غريب

وأنا كمان مش هعمل مشكلة عشان كرسي.

ارتحت.

لمدة ثانيتين بالظبط.

لحد ما قال

بس خليكي مكانك وما تتحركيش.

وقفل المكالمة.

بعد حوالي عشر دقايق، أبواب الطيارة اتقفلت.

المضيفات بدأوا تعليمات الأمان.

وبعدها حسيت الطيارة بتتحرك.

المحركات اشتغلت.

والطيارة بدأت ترجع للخلف استعدادًا للإقلاع.

الراجل اللي قاعد في مكاني فتح اللابتوب بتاعه وبدأ يشتغل، وكأن مفيش أي حاجة حصلت.

أنا كنت قاعدة وراه بصفين.

وبعدين

الطيارة وقفت.

مرة واحدة.

المحركات هديت.

عدت حوالي نص دقيقة.

بعدها دقيقة.

الركاب بدأوا يبصوا لبعض باستغراب.

الراجل اللي في 2A بص في ساعته وقال بضيق

هو في إيه؟

وفجأة صوت قائد الطائرة جه في السماعات

يا جماعة، نعتذر لحضراتكم، لكن فيه تعليمات إدارية طارئة، والطائرة هترجع للموقف مرة تانية، وهيتم إيقاف الرحلة مؤقتًا لحد إشعار آخر.

الراجل رفع راسه بسرعة.

واضح إنه لأول مرة بدأ يقلق.

الطيارة رجعت لمكانها.

الأبواب اتفتحت.

وفي نفس اللحظة موبايلي اهتز.

رسالة من أبويا.

دلوقتي ركزي وراقبي.

رفعت عيني.

ولقيت تلاتة داخلين الطيارة.

اتنين أمن، وراجل أعرفه كويس جدًا.

أستاذ شريف منصور.

مدير العمليات في مجموعة شركات أبويا.

كنت شوفته كتير قبل كده في بيتنا، وكان دايمًا بيتعامل مع أبويا باحترام شديد.

دخل الطيارة ومبصش على أي حد.

مشى على طول ناحية المقعد 2A.

وقف قدام الراجل وقال

لو سمحت يا فندم، محتاجين حضرتك تجمع حاجتك.

الراجل قفل اللابتوب ببطء.

نعم؟

محتاجين حضرتك تقوم من مكانك.

ضحك بسخرية.

أنا دافع تمن التذكرة.

شريف رد بهدوء

عارفين.

أمال إيه المشكلة؟

شريف بص على التذكرة اللي في إيده.

وبعدين بص على تذكرتي اللي كانت المضيفة ماسكاها.

وقال

فيه مشكلة في بيانات الحجز بتاعت حضرتك.

الراجل بدأ يتعصب.

يعني إيه مشكلة؟ أنا حاجز درجة أولى ودافع فلوسها كاملة.

شريف ما ردش.

بص ناحية الشنطة السودا اللي على رجله.

وقال

الشنطة دي بتاعت حضرتك؟

الراجل شد عليها بإيده.

آه.

شريف بص على بطاقة الأمتعة المعلقة فيها.

وسكت.

طلع موبايله بسرعة وبدأ يراجع حاجة.

ثواني معدودة عدت.

وفجأة ملامح وشه اتغيرت.

بص للراجل.

وبعدين بصلي.

الراجل لاحظ.

وقال

في إيه؟

شريف ما ردش.

بدأ يكتب على التابلت اللي في إيده.

وفجأة موبايلِي رن.

بابا.

رديت.

قال لي

حطي السماعة على الاسبيكر.

عملت كده.

صوت أبويا طلع واضح في المكان كله

شريف.

أيوه يا أستاذ حسن.

ما تخلوش الراجل ده يخرج من الطيارة ومعاه الشنطة.

الراجل انتفض.

مين حضرتك؟

ثواني صمت.

وبعدين

متابعة القراءة

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى