
لكن اللحظة اتقطعت لما سمعت صوت أحمد وراها
إنتِ قلتي إيه للحاج محمود؟ وإيه اللي خلاه يعيط بالشكل ده؟
حكايات بسمة
وقفت الحاجة فاطمة مكانه، عينيه المليانة طيبة بتبص لأحمد بألم سنين عمرها كله اللي ضاعت عليه. أحمد كان واقف في باب المطبخ، وشه أحمر من التوتر والخجل الزايف، عينه رايحة جاية بين أمه الغلبانة اللي لابس الفستان الأزرق القديم، وبين رجل الأعمال الكبير الحاج محمود الشافعي اللي قاعد على صندوق الخشب والدموع نازلة على خدوده، وماسك المعلقة بحرص كأنه ماسك كنز.
أحمد قرب بعصبية ووطى صوته وهو بيحاول يمسك دراع الحاج محمود
يا حاج محمود.. والله العظيم دي أمي كبرت في السن وبقت بتلخبط! الأكل البيتي ده ملوش لازمة، أنا طالب لحضرتك أكل فاخر من أكبر مطعم في القاهرة والمفروض السفرة جاهزة برة!
الحاج محمود الشافعي قام وقف ببطء ووقار هز المطبخ كله.. مسح دموعه بالمنديل الحريري بتاعه، وبص لأحمد بنظرة صلابة واشمئزاز عمري ما أحمد شافها في حياته.
نبرة صوت الحاج محمود كانت هادية، بس كل كلمة طالعة منها كانت كأنها قذيفة بتخترق الصدر
أنت بتقول على أمك بتلخبط يا بشمهندس أحمد؟! أنت بتتكسف من أكل الست العفيفة دي اللي لقت لقمة أكلها بعرق جبهتها وسنين عمرها عشان تخليك يقال عليك مهندس؟!
أحمد اتجمد مكانه، بلع ريقه بالعافية وعينيه اتسعت بخوف
يا.. يا حاج محمود، أنا بس قصدي أريحها و…
قاطعه الحاج محمود بضربة قوية على الترابيزة الخشبية خلت الحلل والأطباق ترن
بسسسس! ما تكملش كذب وتجمل في نفسك! أنا راجل بدير ألفين موظف وعامل، وبعرف أفرق بين الأصل الطيب والنقاء، وبين الرخص وقلة الأصل!
في اللحظة دي.. دخلت منى خطيبة أحمد وأمها نادية المطبخ على صوت الزعيق، وعيونهم مليانة ذهول وتعجب من المشهد.
منى قربت من أبوها وقالت بلهفة
بابا! في إيه؟ مالك يا حبيبي بتعيط ليه؟
الحاج محمود مسك إيد الحاجة فاطمة بتبجيل واحترام شديد، وبص لابنته ولزوجته نادية وقال بصوت هز جدران الشقة الشعبية
الست فاطمة دي يا منى.. هي السبب إن الأكل اللي كنت بحكي لك عنه طول عمرك ورجعني لذكرى أمي الله يرحمها موجود. الست دي بقى لها سنين بتعافر وتلف بالعجلة والحلل عشان تعمل ابنها راجل ومهندس، ولما بقاله القرشين، بقى بيخبيها في الأوضة الضلمة ويستعر منها قدام الناس!
منى بصت ل أحمد بذهول وصدمة لا توصف، عينيه بدأت تدمع وهي بتبص للكرسي اللي جنب المطبخ والمفرش الأبيض والحلل المستخبية، وفهمت اللعبة والرخص اللي أحمد كان بيحاول يداريه طول القاعدة!
أحمد جرى على منى وحاول يمسك إيدها بتوسل
منى.. والله العظيم أنا بحبك! أنا بس كنت عايز أظهر قدامكم بمظهر كويس وتشوفوني ابن ناس!
منى سحبت إيدها بقوة وقسوة، ووقفت جنب الحاجة فاطمة وحضنتها بدفء، وبصت ل أحمد بعيون مليانة كره واشمئزاز
مظهر كويس؟! أنت فاكر إن الراجل بيبقى ابن ناس ببدلة ومفرش أبيض وأكل مطاعم يا أحمد؟! الراجل هو اللي يشيل جزمة أمه فوق رأسه قدام الدنيا كلها ويفتخر بعرقها وتعبها! اللي يستعر من الست اللي عملته، بكرة هيبيعني وهيستعر مني ومن أي حد لما أصلحتنا تخلص!
الحاج محمود وقف بثبات، وطلع محفظته وشيكه الخاص، وبص ل أحمد وقاله بمنتهى القسوة والصلابة
الجوازة دي اتلغت يا أحمد.. وشركات الشافعي للمقاولات اللي كنت مستني تاخد منها عقود لبشرتك ومستقبلك، اسمك هينزل في القائمة السوداء لكل الموردين بتوعنا من الليلة دي!
أحمد وشه بقى أبيض زي الميتين، وقع على ركبتيه في الأرض يترجى ويصرخ
يا حاج محمود! أرجوك لا! مستقبلي هيضيع وشقتي هتروح مني عشان الأقساط! أرجوكي يا منى ما تسبينيش!
أمي، الحاجة فاطمة.. الست اللي قلبها جمرة من الحنان حتى لو اتظلمت، نزلت عينها لابنها المكسور والمذلول على الأرض، بس ما كانتش قادرة تدافع عنه المرة دي، لأن الألم كان أعمق من أي كلمة.
التفت الحاج محمود للحاجة فاطمة، ونزل على ركبتيه قدامها وحط إيده على رأسها باحترام يطير العقل
يا حاجة فاطمة.. أنا طالب منك طلب وأرجوكي ما تردينيش. أنا عندي مشروع خط جديد لسلسلة مطاعم أكل مصري أصيل باسم أكل أمي في كبرى مولات مصر.. ومحتاج بركة إيديكي وخبرتك وتتبيلتك عشان تديري خط الإنتاج والمطابخ الرئيسية بالكامل، بمرتب وشراكة رسمية باسمك، وبدل السكن في أحسن حتة في القاهرة!
فاطمة كانت مش مصدقة ودنها! الدموع نزلت من عينها مطر، وبصت للحلة البسيطة ولشجرة اليوسفي اللي في البلكونة، وحست إن ربنا بعتلها العوض والعدل الإلهي في أسرع وقت.
هزت رأسها بالراحة وهي بتمسح دموعها بكسرتها وكبريائها
موافقة يا حاج محمود.. بركة ربنا وحلاله ما بيضيعوش أبداً.
بعد 6 أشهر..
افتتاح الفرع الأول لسلسلة مطاعم أكل الحاجة فاطمة في التجمع الخامس كان حديث الصحافة والإعلام.
الحاجة فاطمة كانت واقفة بفستانها الشيك والمحشم، وفي إيدها باقة ورد كبيرة أهداهالها الحاج محمود ومنى، وبتقص شريط الافتتاح تحت ضحك وزغاريد الناس اللي بيحبوها.
وأحمد؟
خسر شغلانه، والشقة اللي كان بيسدد أقساطها اتسحبت منه وباع معظم عفشه عشان يسدد ديونه، وبقى يقعد في الشارع يراقب المجلات والصور اللي فيها أمه وهي ملكة متوجة على عرش نجاحها.. بيتحسر كل يوم على الساعة اللي اتكسف فيها من أكلها وأصلها الطيب.
وعرفت شبرا والقاهرة كلها إن رضا الأم وعرق التعب هما البركة الحقيقية، وإن اللي يبيع أصله يفضل طول عمره رخيص ومالوش قيمة بين الناس.




