
قبل ما أسافر بـ15 دقيقة، بنتي اللي عندها 6 سنين تعلقت في رقبتي وهمستلي:
— لما إنت بتسافر… مراتك بتحطلي نقط في العصير، وبعدها بتصورني بالموبايل.
بصيت ناحية المطبخ…
لقيت مراتي واقفة هناك وبتبتسم، ولسه ماسكة كوباية العصير في إيدها.
عملت نفسي مسافر عادي.
لكن في السر لغيت الرحلة، ورجعت علشان بنتي.
بس لما فتحت النسخة الاحتياطية من تسجيلات كاميرا قديمة في البيت…
اكتشفت إن بنتي ماكنتش هي الهدف الوحيد.
الجزء الأول
كان فاضل حوالي 15 دقيقة على وصول العربية اللي هتاخدني للمطار.
شنطتي السودا كانت محطوطة جنب باب البيت، والجاكيت على دراعي، والموبايل في إيدي، وعقلي كله مشغول بالاجتماع المهم اللي المفروض أحضره بعد ساعات.
وفجأة ظهرت بنتي من آخر الطرقة.
كانت عندها 6 سنين، وماقالتش أي حاجة في الأول.
جريت عليا، ولفت دراعاتها حوالين وسطي، ودست وشها في قميصي.
وقالت:
— بابا… ماتسافرش النهارده.
ابتسمت وقلت:
— يومين بس يا حبيبتي وهرجعلك.
لكنها هزت راسها بالرفض.
وبعدين بصت ناحية المطبخ.
النظرة دي لوحدها خلت ابتسامتي تختفي.
قربت مني وهمست:
— لما إنت بتسافر… مراتك بتحطلي نقط في العصير.
اتجمدت مكاني.
كنت متجوز من حوالي 10 شهور.
سألتها بهدوء:
— نقط إيه يا حبيبتي؟
قالت:
— بتقولي إنها فيتامينات… بس بعدها بحس إني غريبة ومش بعرف أقعد هادية، وهي بتفضل تصورني.
نزلت على ركبتي قدامها علشان أبقى في مستوى عينيها، وسألتها:
— بتصورك ليه؟
بنتي سكتت شوية، وبعدها قالت:
— بتقول إنها لازم توريك أنا بتصرف إزاي وإنت مش موجود.
حسيت ببرودة ماشية في جسمي.
أم بنتي كانت توفت من أربع سنين بعد مرض سريع.
ومن وقتها، حياتي كلها بقت بنتي.
شغلي، مدرستها، أكلنا البسيط، حكايات قبل النوم، ومحاولاتي إني أجاوب على أسئلة طفلة صغيرة فقدت أمها بدري جدًا.
ولما اتجوزت للمرة التانية، كنت فاكر إني أخيرًا لقيت إنسانة هتفهم ده.
عمرها ما طلبت مني أشيل صور أم بنتي.
ولا كانت بتضايق لما بنتي تتكلم عنها.
وكانت بتظهر قدامي إنها بتحاول تعوضها عن الحنان اللي فقدته.
وأنا…
افتكرت إن ده طيبة.
رجعت سألت بنتي:
— قالتلك حاجة تانية؟
بصت ناحية المطبخ مرة كمان وقالت:
— بتقولي إن في يوم إنت هتفهم إني لازم أعيش في مكان تاني.
بلعت ريقي بالعافية.
— مكان تاني فين؟
قالت:
— معرفش… بس قالتلي لو حكيتلك على العصير، إنت هتصدق الفيديوهات بتاعتها وهتفتكر إني بكدب.
كنت محتاج كل قوتي علشان ماقومش في اللحظة دي وأدخل المطبخ أواجهها.
لكن بنتي قالت جملة تانية خلتني أتجمد:
— وهي كمان بتتكلم مع راجل.
بصيتلها باستغراب.
— راجل مين؟
قالت:
— معرفش… بس بييجي البيت ساعات وإنت مسافر.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— وهما دايمًا بيتكلموا عن بيت ماما القديم.
في اللحظة دي…
حسيت إن نفسي اتقطع.
لأن البيت اللي كانت بتتكلم عنه بنتي…
ماكنش مجرد بيت قديم.
وكان فيه سر متعلق بأمها، عمري ما حكيته لمراتي الجديدة.
2
سفريه طارئه حكايات اسما السيد 1
وساعتها فهمت إن موضوع العصير والفيديوهات يمكن يكون مجرد أول خيط في حاجة أخطر بكتير.




