روايات وقصص

اعتنيت باطفال اختي حكايات انجي الخطيب

فجأة، الباب الخشب اللي فوق السلم اترزع بقوة، وسمعت صوت قفل بيتقفل من برا. النور اللي كان طالع من كشاف ياسين طفى، وبقينا في ضلمة تامة، مش سامعة فيها غير صوت نهجان الست اللي بتقرب مني، وصوت ياسين وهو بيهمق في ودني بكل برود متخافيش يا خالتو.. أنتي كنتي أم عظيمة، ومحمود مستنيكي فوق عشان يكمل الحكاية.

وفي وسط الضلمة دي، لمست إيد باردة زي التلج رقبتي، وبدأت أصابعها تضغط ببطء وهي بتقول قوليلي.. العيال اتعشوا ولا ناموا جعانين؟

مقالات ذات صلة

حاولت أصرخ، لكن صوتي اتحبس في حلقي وكأن فيه إيد خفية بتخنق أحبالي الصوتية. الضلمة كانت تقيلة لدرجة إني مكنتش شايفة كف إيدي، بس كنت حاسة بوشها قريب من وشي، ريحة أنفاسها كانت تشبه ريحة الأرض المحروقة. العيال.. العيال كويسين يا زينب.. نطقت الكلمات دي بصعوبة وأنا بحاول أزق إيدها، لكن قوتها كانت مرعبة، قوة مش بشرية أبداً.

فجأة، بدأت التماثيل اللي في الركن تنور بضوء فوسفوري باهت، خيط رفيع من النور طالع من قلب كل تمثال ورايح ناحية السقف، وكأن البيت كله فوقنا بقى متوصل بيهم. مع كل نبضة نور، كنت بسمع صوت عيل من الولاد فوق وهو بيصرخ صرخة قصيرة ومكتومة، كأن حد بيسحب منهم حاجة غالية. ياسين! إلحق أخواتك يا ياسين! نديت عليه وأنا بلف أدور عليه في الضلمة، لكنه كان اختفى، مكنش فيه غير صوته اللي جاي من كل زاوية في الأوضة مفيش أخوات

يا خالتو.. مفيش العهد.

الست سابت رقبتي فجأة ووقـ,ــعت على الأرض وهي بتئن، وجسمها بدأ يتنفض بشكل مرعب. في اللحظة دي، النور الفوسفوري زاد، وشفت الحيطة اللي ورا السـ,ــرير بتتشقق، وظهر من وراها ممر تاني ضيق جداً، وطالع منه صوت خطوات تقيلة ومنتظمة.. خطوات محمود.

الخطوات كانت بتقرب، ومع كل خطوة كان البيت فوقنا بيتهز كأن فيه زلزال. عشر سنين يا زينب.. عشر سنين وأنا بجهز البديل، صوت محمود جه من الممر، بس مكنش صوته اللي أعرفه، كان صوت خشن ومحشرج زي صوت احتكاك الصخور ببعضها. ظهر محمود من الضلمة، بس مكنش كبر يوم واحد من ليلة الحادثة، لبسه لسه نضيف، وملامحه لسه شباب، وكأنه متجمد في الزمن.

بصلي ببرود مخيف وقال كنتي فاكرة إن الحـ,ــادثة كانت قضاء وقدر؟ أنا اللي قلبت العربية، وأنا اللي سحبت زينب هنا قبل ما الشرطة توصل، كان لازم الناس تفتكر إننا متنا عشان نعيش الحقيقة هنا.. تحت الأرض. قرب من الست المرمية على الأرض ولمس راسها بحنان مرعب، وبعدين بصلي وعينه اتحولت للون أسود تماماً زينب خلصت طاقتها، والبيت محتاج روح جديدة تشيله.. روح عاشت وحبت وربت بصدق، زيك يا أختي.

ياسين ظهر فجأة جنب أبوه، وماسك في إيده خنجر قديم عليه رموز مكنتش قادرة أفهمها. ياسين.. أنا اللي ربيتك.. قولتله وأنا بنهار، بصلي بكسرة للحظة، لكنه سرعان ما استعاد جموده وقالي عشان كدة أنتي أحسن واحدة للعهد.. دمك هو اللي هيربط التماثيل ببعضها للأبد.

محمود بدأ يتمتم بكلمات غريبة، والتماثيل بدأت تتهز وتتحرك من مكانها، تقرب مني بخطوات خشبية تقيلة، وعيونها الشمعية بدأت تفتح.. وفي اللحظة اللي محمود رفع فيها إيده عشان يديني إشارة النهاية، سمعت صوت خبط عنيف على باب السرداب من فوق، وصوت حد من الولاد برا بيصـ,ــرخ يا خالتو! ياسين بيحاول يقتلنا! افتحي الباب!

الخبط اللي فوق كان مرعب، وكأن البيت كله بيحاول يتهد على روسنا. محمود اتنفض وملامحه الهاوية اتحولت لغضب جحيمي، بص لياسين وزعق بصوت زلزل جدران السرداب اخلص! العهد بيتهز! لو حد دخل قبل ما الدم يسيل، السقف ده هينزل علينا كلنا!

ياسين رفع الخنجر وإيده كانت بتترعش، الدموع رجعت تلمع في عينه تاني، وكأنه بيصارع وحش جواه. مش قادر يا بابا.. دي خالتو، دي اللي أكلتني ونيمتني في حضنها لما ماما غابت!.. محمود ضربه بالقلم وقعه على الأرض، وسحب الخنجر منه وهو بيقرب مني وعينه مفيهاش ذرة رحمة يبقى أنا اللي هختم العهد.

الست اللي على الأرض زينب بدأت تزحف ناحية رجلي، بس مش عشان تهاجمني، دي كانت بتمسك في طرف جلابيتي وبتهز راسها يمين وشمال كأنها بتستغيث بيا أهرب. فجأة، صوت الخبط فوق اتحول لصوت تكسير خشب، ووقعت حتة من السقف الضيق، ونزل منها عمر، أكبر الولاد، كان ماسك فأس وبينهج وصدره بيعلو ويهبط من الرعب.

عمر شاف المنظر، شاف محمود اللي المفروض ميت، وشاف المسخ اللي كان في يوم من الأيام أمه، وشافني وأنا محشورة في الزاوية. بابا؟ همس بذهول، لكن محمود مدهوش فرصة يفهم، حدف الخنجر ناحيته بكل قوته. الخنجر مجاش في عمر، جه

في واحد من التماثيل الشمع اللي وراه.

في اللحظة دي، حصلت حاجة مكنتش تخطر على بال بشر؛ التمثال لما اتخبط، صرخ صرخة آدمية تقـ,ــطع القلب، وبدأ دـ,ــم حقيقي ينزف من الشمع ويغرق الأرضية. فجأة، كل التماثيل التانية بدأت تتحرك بعشوائية وتخبط في بعضها، والخيوط اللي واصلة للسقف بدأت تتشد لدرجة إن البيت فوق بدأ يميل.

محمود صرخ صرخة وجع وكأن روحه هي اللي بتتسحب لا! التوازن باظ! العهد اتكـ,ــسر!.. الأرض تحتنا بدأت تتشقق وتطلع منها مية سوداء وليها ريحة كبريت. زينب قامت وقفت بجهد خرافي، وبصت لعمر وياسين، وبصوت فيه بحة الموت قالت خدوها واجروا.. المكان ده مش هيتحمل أكتر من كدة.. البيت ده كان سجـ,ــن، والنهاردة السجن هينفجر.

ياسين قام من على الأرض وسحبني من إيدي، وعمر مسك إيدي التانية، وبدأنا نطلع السلم الضيق والدرجات بتنهار ورانا درجة درجة. بصيت ورايا لآخر مرة، شفت محمود وهو بيحاول يلم الدم اللي نازل من التماثيل بإيده، وزينب واقفة وراه وبتبتسم لي لأول مرة بملامحها القديمة وهي بتهمس سامحيني.

أول ما رجلينا لمست أرضية الأوضة فوق، البيت كله اتهز هزة أخيرة، والسرداب انهار تماماً وبلع كل اللي فيه. وقفنا في الصالة، أنا وال 9 ولاد، بنبص لبعض في ذهول وصمت قاتل، والمطر برا لسه شغال. وف وسط السكوت ده، تليفون البيت رن.. مشينا كلنا ناحيته بخوف، ياسين مد إيده وفتح السبيكر، وجالنا صوت محمود، بس المرة دي كان صوته هادي وطبيعي جداً زي زمان يا ولاد.. أنا خلصت الورق، ومستنيكم برا على الطريق، حد يفتح الباب.

بصينا لبعض برعب، وبصينا للباب اللي كان مقفول بالترباس من جوا.. وفجأة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في الكالون من برا.

تسمرنا في أماكننا، والأنفاس محبـ,ــوسة في الصدور. صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان بيعمل صدى في قلوبنا قبل ودننا، تكة.. وراها تكة.. والباب بدأ يتفتح ببطء شديد. ياسين كان ماسك في إيدي لدرجة إن ضوافره غرزت في جلدي، وعمر رفع الفأس اللي في إيده وهو بيترعش.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى