روايات وقصص

اعتنيت باطفال اختي حكايات انجي الخطيب

الباب اتفتح تماماً، والهوا البارد والمطر دخلوا الصالة، وظهر قدامنا محمود.. بنفس الهدوم اللي خرج بيها من 12 سنة، مبلول من المطر، وفي إيده شنطة أوراقه الجلد. دخل البيت وهو بيمسح المية عن وشه وابتسم ابتسامة باهتة مالكم واقفين كدة ليه؟ كأني شفتوا عفريت؟ قولتلك يا هدى مش هغيب كتير، الطريق كان واقف بس.

بصيت لياسين، وبصيت للسرداب اللي لسه منهار تحتنا والتراب طالع من فتحة الأوضة، إزاي ده يكون محمود؟ وإيه اللي كان تحت ده؟ محمود؟ نطقت اسمه بصوت مهزوز، قرب مني ومد إيده عشان يلمس كتفي، لكن عمر صرخ فيه متقربش! أنت مين؟ اللي تحت ده كان مين؟

مقالات ذات صلة

محمود عقد حواجبه باستغراب، وبص للحفرة اللي في أوضة ياسين ووشه فجأة اتحول لجمود غريب، الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة خالية من أي مشاعر. آه.. لحقتوا تفتحوا الهدايا؟ قالها ببرود وهو بيقفل باب الشـ,ــقة وراه وبيرمي الترباس. كنت فاكر إن العهد هياخد وقت أكتر من كدة عشان يتفعل، بس الظاهر إن شوقكم لزينب كان أقوى من صبري.

وفجأة،

النور قطع في البيت كله، وما بقيناش شايفين غير ضوء البرق اللي بيخـ,ــطف العين من الشبابيك. وسط الضلمة، سمعنا صوت ضحكات أطفال جاية من كل ركن في الصالة، بس مكنتش ضحكات ولادي التسعة اللي واقفين جنبي.. دي كانت ضحكات تانية، رفيعة ومستفزة. أنا مجبتش أوراق يا هدى، صوت محمود كان بيتحرك في الصالة وكأنه في كل مكان في نفس الوقت، أنا جبت الباقي.. التماثيل اللي تحت كانت محتاجة أرواح عشان تنطق، والنهاردة البيت هيكمل عيلته.

ياسين ولع كشاف موبايله بسرعة، والنور جه على ركن الصالة.. شفت ال 9 ولاد بتوعي واقفين، بس ملامحهم كانت بتمسح، عيونهم بتخـ,ــتفي ويحل مكانها شمع أبيض بيسيح على وشوشهم. صرخت صرخة شقت السكون ووقعت على ركبي ولادي! عملت فيهم إيه يا محمود؟

محمود ظهر من ورايا، وهمس في ودني وهو بيحط إيده على راسي بنعومة مرعبة دول مكنوش ولادك أبداً يا هدى.. دول كانوا صيادين، وظيفتهم يجمعوا سنين عمرك وحنيتك ويخزنوها في السرداب عشان زينب ترجع شباب.. بس بما إن السرداب انهار، فإحنا هنغير الخطة.

بصيت لياسين، الوحيد اللي ملامحه لسه زي ما هي، وكان واقف بيبص لأبوه بذهول. محمود كمل وهو بيشاور على ياسين ياسين هو المفتاح.. هو اللي هيفتح الباب الكبير دلوقتي. وفجأة، الأرضية اللي تحتنا بدأت تتهز تاني، بس المرة دي مش السرداب اللي بيتفتح.. ده البيت كله كان بيغرق لتحت، وكأن الأرض بتبلعه باللي فيه.

وفي وسط الرعب ده، ياسين قرب من أبوه بخطوات ثابتة، ومسك إيده، وبصلي بابتسامة خبيثة مكنتش شفتها فيه قبل كدة، وقالي ببرود خالتي هدى.. أنتي لسه مصدقة إن فيه حد فينا كان ضحية؟

وفجأة، حسيت بإيدين كتير بتطلع من تحت الأرض، إيدين شمعية باردة بتمسك رجلي وبتشدني لتحت، وصوت محمود وياسين بقوا يترددوا في ودني بجملة واحدة أهلاً بيكي في عيلتنا الحقيقية.

الإيدين الشمعية كانت بتسحبني بقوة مش طبيعية، والبرودة اللي طالعة منها كانت بتخترق عضمي، وكأنها بتمص الدفا اللي في جسمي كله. حاولت أقاوم، أرفس برجلي، بس الأرضية تحت مني اتحولت لعجينة لزجة بتشدني لقرار البيت. بصيت لعمر، كنت بتمناه يلحقني، بس شفته هو كمان واقف بمنتهى البرود، ملامحه اللي كانت مرعوبة من لحظة اختفت، ووشه بقى زي القناع الخشبي.

فجأة، الأرضية اللي كانت بتسحبني اتهزت بقوة، بس المرة دي الحفرة بدأت تطلع نور أبيض صافي. الست اللي كانت تحت زينب الحقيقية طلعت من السرداب، بس مكنتش عجوزة ولا مسخ، كانت روح بيضاء رقيقة. نورا كملت قراءتها، وفجأة التماثيل الشمع اللي في الأركان بدأت تتكسر وتتحول لتراب، ومع كل تمثال بيتكسر، كان واحد من الولاد بيفوق كأنه كان في غيبوبة، وعيونهم بترجع طبيعية مليانة دموع حقيقية.

محمود انكمش في ركن الصالة لحد ما بقى مجرد خيال باهت واختفى تماماً مع أول خيط شمس شق سماء الصالة، وكأن الفجر طلع فجأة عشان ينهي ليل بقاله 12 سنة. ياسين وقع على الأرض وهو بيبكي بجد خالتو هدى؟ أنا كنت فين؟ أنا حاسس إني كنت في كابوس طويل!

رجعت لملامحي الطبيعية، ورجعت هدى اللي أعرفها. جربت المس وشي، لقيت دموعي دافية وصادقة. نورا قربت مني وطبطبت على كتفي خلاص يا هدى.. العهد انكسر، ومحمود والكيانات اللي معاه رجعوا لمكانهم. زينب دلوقتي ارتاحت.

بصيت لزينب وهي بتتبخر في الهوا بابتسامة حقيقية، كأنها بتودعني وبتشكرني على ال 12 سنة اللي حمتلهم فيها ولادها. البيت رجع هادي، ريحة البخور والتراب اختفت وحل مكانها ريحة المطر والورد اللي في البلكونة.

خدت التسع ولاد في حضني، وكان المرة دي حضن حقيقي، مفهوش خوف ولا غموض. نورا فتحت الشبابيك كلها، والشمس دخلت ملت المكان دفى. وبصينا كلنا للطريق الصحراوي اللي كان في يوم سبب الوجع، ولقينا عربيات الشرطة والإسعاف جاية، مش عشان بلاغ عن حادثة، لكن عشان نورا كانت مبلغاهم ييجوا يفتحوا بيت كان مقفول على أسرار ميتة.

خرجنا كلنا من الباب، ولأول مرة من 12 سنة، محستش بالخوف وأنا بقفل الباب ورايا. مشينا في النور، والولاد بيضحكوا ضحكهم الطبيعي اللي كنت بفتقده، وعرفت إن الحنية والصدق اللي ربيتهم بيهم هما اللي كانوا الدرع اللي حمى البيت لحد ما الحق ظهر.

والنهاية مكنتش في السرداب.. النهاية كانت في اللمة الحقيقية على سفرة واحدة، في بيت جديد، تحت عين الشمس، ومن غير أي أسرار.

تمت

بقلم انجي الخطيب

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى