عام

جوزي القي في وجهي

قبل سنوات اكتشفت أن أختي

كانت تعطي زوجها كل راتبها، بينما كان يجهّز بيتًا آخر ويتزوج عليها سرًا. حين عرفت الحقيقة كان قد أخذ كل شيء منها تقريبًا.

سكتت قليلًا ثم أضافت

رأيتكِ اليوم حين حاولوا الدفع ببطاقتك وشعرت أن المشـ,ـهد يتكرر.

لم أعرف ماذا أقول.

تابعت نادين

أنا أعمل في معرض الأثاث الذي تعامل معه زوجك أكثر من مرة.

شعرت ببرودة تسري داخلي.

ماذا تقصدين؟

قالت

منذ حوالي شهرين وهو يشتري أثاثًا وأجهزة لشـ,ـقة جديدة.

سكتت لحظة قبل أن تضيف

وكانت أغلب الفواتير باسمك أنتِ.

أغمضت عيني ببطء.

تذكرت ذلك اليوم حين أخذني رأفت لاختيار غـ,ـرفة نوم جديدة.

وقتها قال إننا سنجدد شـ,ـقتنا بعد سنوات من التأجيل.

ثم عاد بعد أيام وأخبرني أن الأسعار ارتفعت وأنه ألغى الطلب.

أما الآن

فهمت أين ذهب الأثاث.

سألتها بصوت مرتجف

هل تعرفين عنوان الشـ,ـقة؟

أجابت

في مدينة نصر.

مدينة نصر.

بعيدة تمامًا عن بيتنا.

بعيدة لدرجة تجعل كل شيء هناك مقصودًا.

ثم أضافت بهدوء

وفي كل مرة كان يأتي معها امرأة.

شعرت بأن قلبي انقـ,ـبض فجأة.

لكن عقلي رفض التصديق.

رأفت قد يكون أنانيًا نعم.

وقد يكون مستغلًا نعم.

لكن هل يمكن أن يكون متزوجًا فعلًا؟

ومتى حدث ذلك؟

 

وكيف لم أشعر؟

أغلقت المكالمة وأنا أشعر بدوار خفيف.

وفي اللحظة نفسها مرت أمامي امرأة تحمل طفلتها الصغيرة وتضحك معها.

توقفت عيناي عند المـ,ـشهد طويلًا.

ثم تذكرت نفسي قبل سنوات.

حين كنت أضحك بالطريقة نفسها.

حين

 

كنت أظن أن الزواج أمان.

وأن الصبر يصنع المعجزات.

وأن الحب وحده يكفي.

رن هاتفي مجددًا.

هذه المرة كانت رسالة صوتية من رأفت.

فتحتها دون تفكير.

جاءني صوته متوترًا وغاضبًا

أميرة، كفى عنادًا وعودي إلى البيت.

 

الناس بدأت تسأل عنكِ.

وأمي تعبت بسبب ما فعلته.

ثم صمت لحظة قبل أن يقول بنبرة أخفض

وإذا ضاع ما نحاول إنجازه فلن يتحمل أحد النتيجة.

أغلقت التسجيل فورًا.

ما نحاول إنجازه.

مرة أخرى يتحدث بصيغة الجمع.

شيء أكبر من مجرد مساعدة لهبة.

شيء يُخفى عني منذ وقت طويل.

نظرت إلى سليم النائم بجواري.

كان لعبته الصغيرة وكأنه يخشى أن يأخذها أحد منه.

وفجأة شعرت بخوف حقيقي.

ليس على نفسي

 

بل عليه هو.

ماذا لو كبر في بيت يرى أمه تُهـ,ـان كل يوم؟

ماذا لو اعتاد الصمت مثلي؟

ماذا لو ظن أن هذا طبيعي؟

شعرت بغصة حاـ,ـدة في صدري.

خرجت من المستشفى بعد المغرب، واستأجرت غرفة صغيرة في فندق متواضع قرب محطة القطار.

حين دخلت الغـ,ـرفة شعرت لأول مرة منذ سنوات أنني أتنفس دون خوف.

وضعت سليم على السرير، ثم جلست على الأرض أراجع كشف الحساب مرة أخرى.

كل شيء بدأ يتضح أمامي.

 

تحويلات متكررة.

أقساط.

تشطيبات.

شراء أثاث.

ثم توقفت فجأة عند عملية قديمة.

بيع ذهب.

اتسعت عيناي ببطء.

دخلت إلى تفاصيل العملية.

 

المبلغ كان يطابق تقريبًا ثمن شبكتي التي اختفت قبل أشهر.

في ذلك الوقت أخبرني رأفت أن الذهب محفوظ عند والدته خوفًا من السـ,ـرقة.

وضعت يدي على فمي.

حتى ذهبي

شعرت برغبة في البكاء، لكن الدـ,ـموع لم تنزل.

كنت متعبة أكثر من أن أبكي.

وفجأة

 

وصلتني صورة من نادين.

فتحتها ببطء، وفي اللحظة

متابعة القراءة

2

جوزي القي في وجهي

التالية شعرت بأن العالم توقف حولي.

كانت الصورة لغـ,ـرفة نوم كاملة.

سـ,ـرير جديد.

 

ستائر جديدة.

وأجهزة لم أستطع شراء مثلها لبيتي يومًا.

لكن الشيء الذي جمّد الدـ,ـرررررررررررررررررم في عروقي

كان إطار الصورة الموضوع فوق الكومود.

اقتربت من الصورة أكثر.

ثم شهقت دون صوت.

كان رأفت يقف مبتسمًا بجوار امرأة لا أعرفها.

 

وأسفل الإطار مباشرة

ظهرت علبة مخملية حمراء أعرفها جيدًا.

علبة ذهبي أنا.

بعدها بثوانٍ فقط، أرسلت نادين رسالة قصيرة تقول

أعتقد أن من حقكِ أن تعرفي أين ذهبت أموالك.

ظللت أحدق في الصورة وقتًا طويلًا دون أن أتحرك.

كانت يداي ترتجفان ببطء، بينما شعرت وكأن شيئًا ثقيلًا ينهار داخلي قطعة بعد أخرى.

لم تكن الصدمة في وجود امرأة أخرى فقط

بل في التفاصيل نفسها.

 

الستائر التي اخترتها أنا ذات يوم، ثم أخبرني رأفت أنها باهظة الثمن.

الثلاجة التي قال إننا لا نستطيع شراء مثلها الآن.

وغرفة النوم التي دفعت مقدمها من راتبي وأنا أظن أنها لشـ,قتنا.

كل شيء كان هناك

في بيت امرأة أخرى.

أغلقت الصورة بسرعة، ثم وضعت الهاتف جانبًا كأنني أخشى لمسه.

لكن بعد ثوانٍ عدت إليه من جديد.

كبّرت الصورة هذه المرة ببطء، أحاول إقناع نفسي أنني أتـ,ـوهم.

لكن الضربة الأخيرة كانت أقسى من كل ما قبلها

حين رأيت المرأة ترتدي إسوارة ذهبية أعـ,ـرفها جيدًا.

إسوارة أهدتني إياها أمي يوم زفافي.

 

شعرت بغصة حاـ,ـدة ارتفعت إلى حلقي.

حتى ذهبي وصل إليها.

رفعت يدي على فمي، لكن

البكاء خرج أخيرًا.

بكاء صامت ومؤلم يشبه شخصًا ظل يغرق لسنوات، ثم أدرك فجأة أنه كان وحده طوال الوقت.

في الصباح التالي، استيقظت على صوت سليم.

كان جالسًا على طرف السـ,ـرير ينظر إليّ بعينيه الصغيرتين.

قال بهدوء

هل سنرجع البيت اليوم؟

نظرت إليه طويلًا.

ثم سألته

هل تريد أن ترجع؟

هز رأسه بالنفي بسرعة.

وقال جملة كـ,سرت شيئًا داخلي

أنا أخاف عندما يغضب أبي.

أغمضت عيني للحظة.

طفل في الخامسة أصبح يعرف الخوف أكثر مما يعرف الطمأنينة.

اقتربت منه وضممته إلى صدري.

وفي تلك اللحظة فقط

اتخذت قراري.

 

لن أعود.

أول شيء فعلته كان إيقاف بطاقتي البنكية نهائيًا.

ثم غيّرت كلمات المرور الخاصة بحساباتي كلها.

بعدها اتصلت بزميلة قديمة تعمل في مكتب محاماة، وطلبت منها ترشيح محامٍ جيد.

لم أسأل عن الطلاق.

كنت أعرف أن النهاية وصلت بالفعل.

لكنني أردت أن أفهم حجم الكذبة التي كنت أعيش داخلها.

 

بعد الظهر، أرسلت لي نادين عنوان الشقة.

ظللت أحدق في الرسالة طويلًا ثم ارتديت ملابسي

ثم ارتديت ملابسي، وتركت سليم مع أمي التي وصلت صباحًا فور أن أخبرتها بالحقيقة.

لم تسألني لماذا صبرت كل هذه السنوات.

وكأنها فهمت كل شيء من صوتي وحده.

قبل أن أخرج أمسكت يدي وقالت بهدوء

 

مهما رأيتِ هناك حافظي على كرامتك يا أميرة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى