عام

حـطّت راسـها عـلى كـتف راجـل غـريب فـي الـمترو ج 1

تصفية حسابات.

ومصـــــــ، يبة أكبر بكتير من أي حد يتخيل.

من اللحظة دي، نادين لقت نفسها متو، رطة في دوامة من الأسرار والخطر والغموض، طريق دخلته بالصدفة… لكن الخروج منه ممكن يكون مستحيل.

طارق قفل التليفون ببطء شديد، لدرجة إن نادين سمعت صوت تكة القفل وهي واقفة على بعد خطوتين. الملامح اللي كانت هادية ورايقة من دقيقة واحدة، اتقسمت مية حتة. عينيه اسودت أكتر، وفيه هيبة مرعبة نزلت على الأوضاع في قاعة الاجتماعات، خلت الهوا نفسه يتقل.

نادين كانت واقفة، وركبها بتخبط في بعض. “هو نفس الراجل؟ طب إزاي؟ وازاي هر، بت منه امبارح من غير ما أحس؟” الأفكار كانت بتضرب في دماغها زي المطر، بس كلامه في التليفون عن “ضرب النار” و”تصفية الحسابات” خلاها تنسى تماماً إحراج امبارح، وتفتكر بس إنها واقفة قدام لغز متحرك.

طارق حط الموبايل على الترابيزة الإزاز، وبص لها. نظرة واحدة فحصتها من ساسها لراسها، وكأنه بيقرأ كتاب مفتوح.

* “مهندسة نادين.. اتفضلي اقعدي.”

صوته كان واطي، بس فيه بحة قوية تخلي أي حد ينفذ الأمر من غير تفكير. نادين قعدت على أقرب كرسي، وحطت اللابتوب والرسومات بإيدين بترعش. حاول تظبط صوتها وقالت:

* “أنا.. أنا جيت بناءً على الميعاد عشان مشروع الفندق الجديد.. بس لو وقت حضرتك مش مناسب..”

طارق قاطعها برفعة إيد صغيرة، نفس الحركة اللي عملها امبارح في المترو وخليت الراجل يقعد مكانه.

* “المشروع مكمل يا بشمهندسة. بس من اللحظة دي، طريقتك في الشغل هتتغير. والموقع اللي كنتِ بتنزليه بشنطتك القماش دي.. مش هتعتبيه تاني لوحدك.”

نادين برقت عينيها واستغربت: “أفندم؟ يعني إيه؟ أنا المهندسة المسؤولة، ولازم أتابع المقاولين والعمال بنفسي في موقع الفندق!”

طارق ساند ضهره لورا، وشبك صوابعه وبص لها ببرود قاتل: “الموقع اللي بتتكلمي عنه، لسه مخلص عليه هجوم مسلح من نص ساعة. تصفية حسابات بين ناس ما يصحش تعرفي عنهم حاجة. اللي ضربوا نار هناك مش جايين يسرقوا أسمنت، دول جايين يوصلوا لي رسالة.. باسمي أنا، طارق السيوفي.”

الكلمة نزلت على نادين زي المية الساقعة. “طارق السيوفي؟” الاسم ده هي سمعته قبل كده في الأخبار، وفي قعدات المهندسين الكبار. راجل أعمال ملوش أول من آخر، مبيظهرش في الميديا كتير، بس كلمته بتمشي على رقاب حيتان البلد. غول سوق المقاولات والحديد، واللي بيتقال إنه ماسك خيوط كتير في الضلمة محدش يجرؤ ينبش وراها.

* “يعني.. يعني حياتي في خطر؟” نادين سألت، وصوتها طلع مخنوق.

طارق ابتسم ابتسامة خفيفة متوصلش لعينيه: “طول ما أنتِ شغالة معايا، وباسمك اللي هيمضي على الرخص.. فإنتِ بقيتي في دايرتي. ومن سوء حظك، أو حسن حظك.. إنك امبارح نمتِ على كتف الراجل الغلط.”

نادين وشها جاب ألوان، وافتكرت المترو. حست بكسوف رهيب ممزوج برعب. “أنا.. أنا بجد متأسفة على اللي حصل امبارح.. أنا كنت تعبانة جداً ومحستش بنفسي، والله العظيم ما كنت أعرف..”

طارق وقف، وطوله وهيبته ملوا المكان. مشي ببطء لحد ما وصل عندها، وسند بإيده على طرف الترابيزة قريب منها، لدرجة إنها شمت نفس ريحة البرفيوم الغالي والدافي اللي شمتها امبارح وهي نايمة.

* “متتأسفيش. امبارح كان أحسن نص ساعة نوم عديت عليا من سنين. بس الخوف من اللي جاي. الفندق ده مش مجرد مشروع سياحي يا نادين.. الفندق ده بيتبني فوق أرض، فيه ناس مستعدة تحرق البلد عشان تاخدها. والنهاردة بدأوا اللعب على المكشوف.”

في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة ودخل الراجل الضخم اللي كان في المترو امبارح بيلعب في الموبايل. وشه كان مخطوف وعرقان، وبص لطارق وقال بنبرة مليانة توتر: “يا باشا، رجال الضبع قلبوا الدنيا في الموقع، وبيدوروا على الورق القديم بتاع الأرض. شكلهم عرفوا إن البشمهندسة معاها النسخة الأصلية من الرسوم الكروكية القديمة.”

طارق عينيه ضيقت، وبص لنادين اللي حست إن قلبها هيقف. الورق القديم؟ هي فعلاً لقت رسومات قديمة للأرض في أرشيف مكتبها، واحتفظت بيها في شنطتها عشان تفهم خطوط التنظيم.

* “الورق معاكِ؟” طارق سألها بحدة.

* “آه.. في الشنطة.. في المكتب عندي..” نادين ردت وهي بتترعش.

طارق التفت للراجل بتاعه وقال بأمر حاسم: “سليم.. تاخد رجالة وتطلع على مكتب المهندسة، تجيب الورق كله ومفيش ورقة واحدة تفضل هناك. والشركة هنا تتقفل، ومحدش يعرف مكانها.”

نادين وقفت فجأة وصر، خت: “تتقفل إيه؟ دي شركتي! ده شقا عمري اللي بيحميني من الإفلاس! أنت مين عشان تتحكم في حياتي بالشكل ده؟”

طارق قرب منها خطوة واحدة، وبص في عينيها مباشرة. النظرة كانت كفيلة تلجم لسانها.

* “أنا الراجل اللي هيحميكي من الموت يا بشمهندسة. الضبع لو عرف إن الورق معاكِ، مش هيستنى يطلب منك التصميم.. هيصفيكِ في شقـــــــ، تك قبل ما النهار يطلع. شرف لينا إننا اتقابلنا امبارح بالصدفة.. بس الصدفة دي انتهت، ودلوقتي أنتِ تحت حمايتي.. يعني بأمري.”

نادين لقت نفسها قدام جبل مش قادرة تتحرك من قدامه. الخوف شل حركتها، بس فيه حاجة جواها كانت بتقول لها إن الراجل ده، رغم خطورته ورغم الغموض المرعب اللي حواليه، مش هيأذيها. نفس الإحساس بالأمان اللي حسته وهي نايمة على كتفه امبارح، رجع لها تاني لثواني، قبل ما تفوق على واقع إنها بقت مطلوبة من مجرمين ميعرفوش الرحمة.

طارق التفت لسليم وقال: “جهز العربية. البشمهندسة هتطلع معايا على البيت الكبير.”

سليم بص لطارق بذهول، وكأنه مش مصدق اللي سمعه: “البيت الكبير يا باشا؟ بس محدش بيدخل هناك خالص!”

* “نفذ اللي بقولك عليه يا سليم. وخلّي عينك على الطريق.”

نادين كانت حاسة إنها في فيلم سينما. لمت حاجتها بسرعة وهي مش مستوعبة. مشيت ورا طارق في ممرات الشركة، وكل الموظفين والبودي جاردات كانوا بيوطوا روسهم في الأرض أول ما طارق يمر من جنبهم، بالظبط زي ما سمعت عنه. هيبته كانت بتسبقه بخطوات.

نزلوا للجراج، وركبت معاه في عربية سودا مصفحة وضخمة. السواق طلع بأقصى سرعة، وعربيتين حراسة طلعوا وراهم وفوقهم رجالة عينيهم بتلف في كل حتة.

طول الطريق، طارق ما نطقش ولا كلمة. كان بيبص من الشباك، وملامحه جامدة زي الصخر. نادين كانت قاعدة جمبه، حاطة شنطتها على رجلها وضماها لصدرها، وبتبص لإيديه الكبيرة اللي كانت عروقها بارزة من العصبية والتركيز.

فجأة، السواق صرخ: “يا باشا! عربية نقل بتقفل علينا الكوبري!”

وفي أقل من ثانية، صوت فرامل مرعب هز المكان، وراه صوت ضرب نار كثيف بدأ يخبط في إزاز العربية المصفحة. نادين صرخت وغمضت عينيها، ولقيت إيد قوية ودافية بتشدها لتحت الكرسي، وجسم طارق كله بقى فوقيها بيحميها، وصوته بيهمس جنب ودنها بثبات غريب:

* “متخافيش.. طول ما أنا عايش، محدش هيلمس شعرة

منك.”

الضرب كان بيزيد، والعربية بتتحرك يمين وشمال بعنف.. ونادين حست إن حياتها الهادية البسيطة انتهت بلا رجعة، وإنها دخلت عالم طارق السيوفي.. من أوسع أبوابه.

2 من 2التالي
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى