
الكلمات اللي قالتها حنان في التليفون نزلت على دماغ سمر كأنها مية تلج في عز طوبة. الخط قطع فجأة، وصوت الصفارة المتصلة بتاعة الشبكة كان بيرن في ودنها زي الإنذار. بصت للموبايل وهي مش مصدقة، شاشة التليفون ضلمت، لكن الأفكار في دماغها كانت بتولع نار.
أبوها، عم حسن، كان قاعد على الكنبة في الصالون، لابس جلبابه المخطط وحاطط إيده على ركبته، وشه شايل هموم الدنيا. وأم محمود كانت في المطبخ بتعمل لسمر كوباية ليمون دافي عشان تهدي أعصابها، وياسين الصغير كان نايم على القديم في سمر، لسه بيترعش في نومه وكل شوية ينطق كلمة: “تيتة.. أنا أسف”.
-
من خمس سنينمنذ يومين
-
ضرتي كانت بتعامل اولاديمنذ 5 أيام
-
دمياطمنذ أسبوع واحد
-
الرقية الشرعية ج 1 اماني سيدمنذ أسبوعين
سمر وقفت في وسط الصالة، تليفونها في إيدها، ورجليها مش شايلاها.
— “في إيه يا بنتي؟” عم حسن رفع عينه ليها بنظرة كلها حنية وقلق. “أحمد اتصل تاني؟ سيبك منه، الراجل اللي يبيع مراته وابنه في ليلة زي دي عشان كلام الناس، ملوش عتاب.”
سمر بلعت ريقها بصعوبة، وقربت قعدت جنب أبوها:
— “لأ يا بابا.. مش أحمد. دي حنان أخته.”
عم حسن حواحبه اتقفلت باستغراب:
— “حنان؟ البنت اللي اتمسحت من العيلة من سنتين وقالو إنها سافرت ومحدش يعرف طريقها؟ كلمتك تقولي إيه؟”
— “بتقولي إن الهدية المقرفة دي مكنتش لياسين.. دي كانت رسالة تهديد ليا أنا. بتقولي إن حماتي عرفت سر.. سر يخصني أنا يا بابا! وأنا مش فاهمة حاجة.. سر إيه اللي ممكن يخلّي ست تعمل كده في حفيدها؟”
في اللحظة دي، تليفون سمر نوّر تاني. نفس الرقم الغريب. سمر فتحت الخط بسرعة وفتحت الاسبيكر عشان أبوها يسمع.
— “ألو.. حنان؟ إنتِ فين والخط قطع ليه؟ فهميني في إيه!”
صوت حنان كان بيترعش، وفي خلفية الصوت كان فيه زحمة وعربيات، كأنها واقفة في الشارع:
— “سمر.. اسمعيني كويس ومتقاطعنيش عشان معيش وقت وموبايلي شحنه هيفصل. أمي مكنتش بتكرهك لمجرد إنك سمر، أو عشان إنتِ من منطقة تانية وزي ما بتقول (مش من مقامنا). أمي لقت ورق في شقة أكتوبر القديمة.. شقة أحمد اللي كان شاريها قبل ما تتجوزوا.”
سمر قطعت كلامها ودهشتها بتزيد:
— “شقة أكتوبر؟ إحنا مالنا ومال شقة أكتوبر؟ دي مقفولة من يوم ما اتجوزنا وأحمد قال إنه عرضها للبيع عشان يكمل تمن في مدينة نصر!”
حنان ضحكت ضحكة مكتومة كلها مرار وقهر:
— “الشقة متباعتش يا سمر.. وأحمد مكملش تمن شقتكم من جيبه. أمي راحت دي من أسبوعين عشان تجيب حاجات تخصها، ولقت هناك العقود القديمة.. ولقت معاها ملف تاني خالص. سمر.. أحمد كان متجوز قبلك!”
الصدمة ألجمت لسان سمر. بصت لأبوها اللي وقف فجأة من طوله، وعينيه برقت بغضب ملوش آخر.
حنان كملت بسرعة والأنفاس بتتقطع منها:
— “مش بس متجوز قبلك.. أحمد كان متجوز واحدة أجنبية، روسية كانت شغالة معاه في الشركة القديمة، واتجوزها رسمي عشان ياخد إقامة هناك ويسافر. ولما الموضوع باظ والشركة فلست،. بس كان فيه طفل! أحمد عنده ابن تاني يا سمر.. ولد عنده سبع سنين دلوقتي عايش مع أمه برة. وأحمد بيبعتلهم كل شهر نص مرتبه من وراكي، والشقة بتاعة أكتوبر دي.. مكتوبة باسم الولد ده!”
سمر حست إن الحيطة اللي ساندة عليها بتهد. الجوازة اللي بقالها ست سنين، التنازلات اللي قدمتها، الفلوس اللي كانت بتستلفها من أبوها عشان تكمل الشهر وأحمد يقنعها إن “العيشة غليت والقسط كبير”.. كل ده كان كدبة؟ كل ده كان بيروح لابن تاني في بلد تانية؟
حنان كملت والجزء الأقوى من الة كان لسه مطلعش:
— “أمي لما عرفت الموضوع ده من أسبوعين، اتقلبت. هي مكنتش زعلانة إن أحمد مخبي، هي كانت مرعوبة إنك إنتِ تعتري في الورق ده وتطلبي الط وتاخدي شقة مدينة نصر وتفضحي أحمد في وسط العيلة وتكسري برستيج (الباشمهندس أحمد عبد السلام) البكري بتاعها. هي عملت الحركة دي الليلة دي عشان تكسر عينك قدام أهلك، وتخليكي إنتِ اللي تطلبي الطلاق وتسيبي البيت من غير ما تطالبي بحقك ولا بحق ياسين.. الهدية دي كانت بتقولك فيها: (إنتِ وابنك مالكمش مقام في أملاك أحمد.. مقامكم هو الزبالة دي لو فكرتي تفتحي بقك). أمي كانت فاكراكي عارفة بالسر عشان شافتك مرة بتدوري في مكتب أحمد، فقررت تضا الأول قبل ما إنتِ تتحركي!”
الخط فصل.. الشحن خلص وتليفون حنان قفل خالص.
الصمت اللي حل في الصالة كان أرعب من صوت الزلزال.
أم محمود خرجت من المطبخ، كوباية الليمون وقعت من إيدها واتشظت مية حتة على الأرض، بعد ما سمعت الكلمات الأخيرة.
— “يا مراري.. يا كسرة قلبك يا بنتي!” أم محمود لطمت على صدرها وهي بتبكي. “بقى إحنا نأمنه على لحمنا، ويطلع متجوز ومخلف وكاتب الأملاك لغير ابننا؟”
عم حسن كان واقف، صوابع إيده متقفلة بقوة لدرجة إن ضوافره علمت في كف إيده. الراجل العجوز اللي عاش طول عمره بالحلال وبيتقي الله في كل خطوة، حس إن كرامة بنته اتهانت في أغلى ما تملك: ثقتها وأمانها.
— “سمر..” عم حسن صوته كان واطي، بس النبرة كان فيها حسم يهد جبال. “البسي.. هاتي بطاقتك وبطاقة ابنك وقسيمة الجواز لو معاكي.”
سمر بصت لأبوها وعينيها مليانة دموع مش قادرة تنزل من كتر الصدمة:
— “هنروح فين يا بابا في نص الليل؟”
— “هنروح للي جاب في حقنا المباشر على الهوا.. هنروح لبيت عيلة عبد السلام الكبير.”
في نفس الوقت، في مدينة نصر، الشقة كانت زي خرابة بعد حريقة.
أحمد كان قاعد على الكنبة، ماسك راسه بين إيديه، وتليفونه مش بيبطل رن. الكومنتات على جروب العيلة كانت اتحولت لفضائح وسخرية من كل قرايبه. الحاج عبد السلام، كبير العيلة، كان كاتب رسالة طويلة عريضة بيمسح فيها بكرامة أحمد وأمه الأرض، وبيقول إن اللي حصل ده قلة أصل وميجوزش في حق طفل ملوش ذنب.
الحاجة أمينة كانت قاعدة على الكرسي المقابل، وشه مخنوق وعينيه مليانة غل وهي بتمسح بقع القذورات اللي كانت لسه سايبة ريحة في الصالة.
— “شايف؟” أمينة زعقت وهي بتبص لأحمد. “شايف بنت حسن عملت فينا إيه؟ فضحتنا وخليتنا لبانة في بق اللي يسوى واللي ميسواش! إنت لازم تطلقها الليلة دي وتكتب على الجروب إنك ا عشان مش متربية!”
أحمد رفع راسه، وعينيه كانت حمرا كأنها كتلة دم:
— “أطلقها؟ أطلقها إيه يا أمي! إنتِ مش فاهمة المصيبة اللي إحنا فيها؟ البث المباشر ده شافه عمي عبد السلام وعمتي ماجدة وكل الناس.. والكل دلوقتي بيسأل: ليه أمينة تعمل كده في حفيدها؟ تفتكري لو سمر اتكلمت وقالت حكاية شقة أكتوبر وجوازتي القديمة، شكلي هيبقى عامل إزاي قدام العيلة؟”
أمينة وقفت وهي بتلوح بإيدها:
— “وتعرف منين؟ الورق أنا شيلته من الشقة ومحدش يعرف مكانه. البت دي غبية ومش فاهمة حاجة، هي مشيت وهي فاكرة إن الموضوع كله قساوة قلب وخلاص. إنت بس اقلب التربيزة عليها وقول إنها هي اللي رمت الحاجة دي عليا وهي اللي بوظت عيد الميلاد.”
وفجأة.. الباب اتخبط خبطات قوية وسريعة، كأن اللي بره عايز يهد الباب فوق دماغهم.
أحمد قام مفزوع، فتح الباب.. وكان واقف قدامه عم حسن، ووراه سمر، وفي ضهرهم تلاتة من شباب عيلة سمر، ولاد عمامها، ملامحهم متتفسرش غير بحاجة واحدة: “تار بايت”.
أحمد رجع خطوتين لورا وخوفه ظهر في عينيه:
— “عم حسن؟ سمر؟ إيه اللي جابكم في وقت زي ده؟ إحنا مش قلنا الصباح رباح؟”
عم حسن دخل الصالة من غير ما يستأذن، ودخل وراه رجالة عيلته. سمر كانت واقفة في النص، عينيها مثبتة على حماتها اللي أول ما شافتهم، حاولت ترجع خطوة لورا بس الكبرياء المصطنع رجعها تاني.
— “إيه يا حسن؟ جايب رجالة وجاي تتهجم على بيوت الناس في نص الليل؟” أمينة زعقت وهي بتحاول تداري رعبها. “فاكر نفسك فين؟ إحنا في منطقة محترمة ومش هنسكتلك!”
عم حسن قرب منها ووقف على بعد خطوة واحدة، وبص لأحمد وقال بصوت زلزل المكان:
— “البيوت المحترمة مبيدخلهاش قذورات متغلفة بفيونكة دهب يا أمينة هانم. والرجالة المحترمة مبتخبيش على زوجاتها إنها متجوزة ومخلفة وبتسرق قوت ابنها عشان تديه لبرة.”
أحمد وشه اتقلب تماماً، الدورة الدموية وقفت في عروقه. بص لسمر وهو بيترعش:
— “سمر.. إنتِ.. إنتِ بتقولي إيه؟”
سمر خطت خطوة لقدام، وبصت في عين جوزها اللي عاشت معاه ست سنين كأنها بتشوفه لأول مرة:
— “بقول إن الكدبة يا باشمهندس. شقة أكتوبر، والجوازة الروسية، وابنك اللي عنده سبع سنين اللي بتصرف عليه من لقمة وياسين وحرماني أنا وابني من كل حاجة بحجة إنك مديون. أمك لقت الورق، وافتكرت إني أنا اللي هفضحكم، فقررت تكسرني الليلة دي بالهدية الزبالة دي عشان تخليني أمشي وأنا مكسورة العين ومطالبش بحاجة.”
الحاجة أمينة شهقت وحاولت تنكر:
— “كدب! البت دي بتتبلى علينا! دي بتألف حكايات عشان تداري ا وهي بترمى عليا القرف قدام العيلة!”
— “مش كدب يا طنط أمينة.”
سمر طلعت موبايلها، وفتحت شاشة الواتساب، ورفعت إيدها عشان يشوفوا.
— “أختك سناء، اللي إنتِ كنتِ عايزة تغيظيها وتوريها الصالة.. أنا بعت لها كل حاجة دلوقتي. وحنان أخت أحمد، كلمتني وقالتلي على كل حاجة بالتفصيل. واللايف اللي اتقفل؟ أنا سجلت شاشة لكل الكومنتات بتاعة العيلة قبل ما أحمد يمسحه.”
سمر بصت لأحمد اللي كان واقف كأنه تمثال من ثلج بيسيح:
— “أنا جيت هنا الليلة دي مش عشان أعاتبك، ولا عشان أسمع مبرراتك الزبالة اللي شبه هدية أمك. أنا جيت آخد حقوقي وحقوق ابني كاملة. الشقة دي.. شقة مدينة نصر اللي أنا دافعة نص تمنها من ورث أمي ومن شغلي، مش هسيبهالك. والطلاق هيحصل، بس بشروطي أنا.. مش بشروط أمك.”
الحاجة أمينة حست إن السجادة بتتسحب من تحت رجليها بالكامل. السيطرة اللي فرضتها طول حياتها، البرستيج اللي ضحت بكل حاجة عشانه، انهار في ثواني. بصت لأحمد مستنية منه يعمل حاجة، يزعق، يضرب، يطرد قرايب سمر.. لكن أحمد كان منتهي النفسية. الخوف من الفضيحة الأكبر في العيلة، والخوف من القضايا والمحاكم، خلاه يقع على الكنبة وهو مش قادر ينطق بكلمة.
عم حسن بص لأحمد وقاله:
— “قدامك لحد بكرة الصبح يا أحمد. تيجي مع المأذون لحد بيتي، وتطلق بنتي إبراء كامل، وحقوقها كلها تيجى لحد عندها، والشقة دي تتنازل عنها لياسين تعويض عن الكسرة اللي أمك له في يوم ميلاده. لو عملت كده.. السر ده هيفضل جوة العيلة ومحدش برة هيعرفه. لو رفضت.. قسماً بالله العظيم لأعملك قضية زنا وقضية تبديد، وهخلي على كل لسان في مصر كلها.”
سمر بصت لحماتها للمرة الأخيرة، نظرة شفقة مش خوف:
— “مقام ابني غالي أوي يا طنط.. بس إنتِ اللي مقامك نزل الأرض، لدرجة إن مفيش حد في عيلتك هيبص في وشك تاني.”
التفتت سمر، وخرجت مع أبوها ورجالة عيلتها، وسابوا باب الشقة مفتوح على آخره.. النسمة الباردة دخلت الشقة، وطيرت بلونة زرقا كانت باقية من حفلة ياسين، لتفرقع بصوت عالي في وسط الصالة الفاضية.
أحمد بص لأمه وقال بصوت ميت:
— “خربتي بيتي يا أمي.. وضيعتِ ابني.. وضيعتيني معاكي.”
لكن الكارثة الأكبر مكنتش بس في الطلاق.. الكارثة كانت في المكالمة اللي جت لأحمد بعد ما سمر مشيت بـ 10 دقائق، مكالمة من عم عبد السلام، كبير العيلة، اللي قاله جملة واحدة غيرت مسار كل حاجة وجمدت الدم في عروق أحمد وأمه من جديد!
4








