عام

ابويا قلي غيري باسورداتك حكايات صافي هاني

5

ابويا قلي غيري باسورداتك حكايات صافي هاني

أخدت الشيك وحطيته في شنطتي وبصيت من الإزاز. في اللحظة دي بالظبط، شفت من بعيد واحد ماشي على الرصيف التاني.. الجاكتة بتاعته قديمة، وشعره منكوش، وماشي باصص في الأرض وبيرش مية على العربيات عشان يمسحها.

دانيال.

الملياردير المزيف اللي كان من كام شهر بيلبس بدل “توم فورد” وبيتمنظر بفلوس غيره، بقى يدور على أي شغلانة تطلعله مصاريف يومه بعد ما البنوك حجزت على كل أوراقه وسودت اسمه في “الآي سكور” ومبقاش ينفع يفتح حساب في بنك تاني طول حياته.

مبصتلوش بنظرة شفقة، ولا حتى تشفي. بصيت له كأنه مجرد كيس بلاستيك طاير في الهواء.. ملوش أي قيمة في حياتي.

تليفوني رن، كان أبويا.

”إيميلي، خلصتي مع المحامي؟”

”آه يا بابا، كل حاجة اتقفلت رسمياً، ومفيش أي خيط بيربطني بالماضي ده تاني.”

أبويا سكت ثانية، وبعدين قال بنبرة فيها فخر حقيقي: “عفارم عليكي يا بنتي. دلوقتي تقدري تقولي إنك أخدتي الماجستير في إدارة الحياة.. مش بس إدارة الأعمال.”

ضحكت وقولتله: “كله بفضل نصيحة الـ خمس دقايق بتاعتك.”

قال لي: “النصيحة بتسوى جمل، بس الشاطر اللي ينفذها في وقتها. يلا، مستنيكي على الغدا.”

قفلت الموبيل، وقفت، عدلت لبسي، ومشيت وسط زحمة نيويورك وأنا خطوتي ثابتة، وعيني باصة للمستقبل وبس. القصة مش إنك تقع.. القصة إنك لما تقوم، تقفل كل الأبواب اللي ممكن يدخل منها ريح الغدر تاني.

بعد سنة كاملة من اليوم ده، كانت شركة “هايز القابضة” بتفتح فرعها الجديد في مجمع البنوك بوسط مانهاتن. المناسبة كانت ضخمة، والصحافة الاقتصادية كلها كانت موجودة بتغطي الحدث. كنت واقفة على المنصة ورا المايك، لابسة بدلة رسمية كحلي غامق، وببص للناس بكل ثقة وفخر.

وفي نص كلمتي، عيني جت على آخر القاعة.. شفت فلاشات الكاميرات وهي بتنور، ولمحت وش مألوف جداً كان واقف ورا الحبل الفاصل بتاع أمن القاعة وسط مجموعة من العمال اللي بينقلوا كراسي ومعدات الصوت.

كان دانيال.

المرادي مكنش بيمسح عربيات.. كان شغال مع شركة مقاولات باليومية، ولابس جاكتة فوسفوري وبانت عليه علامات السن والتبهدل، وباصصلي بنظرة فيها خليط من الندم، والغل، والانكسار التام وهو شايف الست اللي استقل بيها وداست على قلبه من سنة، وهي دلوقتي بتدير صرح مالي بالحجم ده.

بصيتله لثانية واحدة، ومكملتش النظرة.. كملت خطبتي عادي جداً ولا كأن فيه حاجة حصلت. الشخص ده مبقاش حتى يمثل لي ماضي.. بقى مجرد “لا أحد”.

بعد ما الحفلة خلصت والناس مشيت، قعدت في مكتبي الجديد أراجع كشوف الحسابات الأخيرة للفرع. الباب اتفتح ودخل أبويا، ريتشارد هايز، وهو ماسك في إيده جورنال الصبح وفيه صورتي على الصفحة الأولى وتحتها مانشيت: “إيميلي هايز تقود العائلة لقمة السوق المالي”.

أبويا حط الجورنال على المكتب، وقعد على الكرسي اللي قدامي، وبصلي بابتسامته الحكيمة وقال: “شفت دانيال وهو خارج من الباب الخلفي مع عمال النظافة.. كان بيحاول يستخبى من عيني.”

تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى