
5
فستان ضرتى
أم منى قالت
أنا هاجي معاكم كمان أنا عارفة المكان بالظبط، وعندي المفاتيح، وأنا مستعدة أواجه أخوي وكل حاجة، كفاية كدب وكفاية خوف عشناه كلنا.
سافرنا في نفس اليوم، الطريق كان طويل ومتعب، وكل واحد فينا كان في عالم تاني، بيفكر في اللي جاي، بيفكر في نوال اللي
قضت كل عمرها وحيدة منتظرة الحب اللي اتحرمته منها، منتظرة تخرج من السچن اللي حبسوها فيه بلا ذنب.
وصلنا للمكان، بيت صغير قديم محاط بأشجار كتير، مفيش حد حوليه، هادي لدرجة تخوف، كأنه مفيش حياة جواه. دخلنا ببطء، وكل خطوة كنا بنخطوها كانت بتثقل علينا، لحد ما وصلنا لأوضه في نهاية الممر، وبابها كان مفتوح شوية.
شفتها كانت قاعدة على كنبة قديمة قرب الشباك، وشعرها كله أبيض رغم إن سنها مش كبير، وعيونها بتتطلع للبعيد كأنها بتشوف حاجة مش شايفها غيرها، وفي إيدها صورة قديمة كانت بتمسكها بكل قوتها.
لما سمعت صوتنا رفعت عينها ببطء، ولما شافت كريم وقفت
من مكانها كأنها شافت شبح، ويدها ارتجفت والصورة وقعت من إيدها، وقالت بصوت خاڤت بالكاد يتسمع
كريم؟ إنت جيت؟ أنا كنت عارفة إنك هتيجي في يوم من الأيام كنت عارفة إنك مش هتنساني أبداً.
كريم راح ناحيتها بسرعة ومسكها بين إيديه، وكلاهما بيبكي بلا كلام، وسنوات الفراق والۏجع كانت بتخرج في دموعهم اللي نزلت من غير توقف، وكل واحد فيهم كان بيقول للتاني آسف، وكل واحد كان بيقول للتاني إني كنت منتظرك طول عمري.
منى كانت واقفة ورا كريم ومش عارفة تقرب، لحد ما نوال شافتها، وبصت لها طويلاً كأنها بتشوف نفسها وهي صغيرة، وقالت بصوت مليان دهشة وحنان
شبهي كتير دي بنتي؟ دي منى اللي كنت بحلم بيها كل ليلة؟
منى راحت ناحيتها بسرعة وحضنتها بكل قوتها، وقالت وهي پتبكي
أنا منى يا ماما أنا بنتك وحشتيني كل السنين دي كلها.
كنت واقفة جنبهم وببكي معاهم، وقلبي كان متبسط وموجوع في نفس الوقت، مبسوط لأن الحقيقة طلعت وكل واحد رجع
للي ليه، وموجوع على كل الألم اللي عاشوه بلا ذنب.
وبعدين جاء دور مواجهة الأخ، لما عرف إننا أخذنا نوال وإن الحقيقة طلعت لكل الناس، جاي مع مجموعة من الناس عشان ياخدها ويرجعها تاني، بس كريم وقف قدامه بكل شجاعة، وقال له
ده يوم حسابك على كل اللي عملته حبست بنتك وحرمتها من حياتها وحياة اللي بتحبهم، وخليت بنتها تعيش من غير أم ولا أب، وكل ده عشان كبريائك وفلوسك والحق هيغلب مهما مرت السنين، ومش هتقدر تاخدها تاني أبداً.
كان بيحاول ېهدد ويترعب، بس كل اللي كان حوله عرفوا الحقيقة، وكل اللي كان ساعده قبل كده سابوه لما شافوا ظلمه، واخدوه العدالة ليجازيه على كل الچرائم اللي ارتكبها طوال السنين دي.
وبدأنا نعيش حياة جديدة، نوال كانت بتتعالج وبتتحسن يوم بعد يوم، وكانت تعاملني كأختها وصديقتها، وكنت أنا بحبها كتير وبعوضها عن كل اللي شافته، ومنى كانت بين أمها وأبوها تعيش السعادة اللي اتحرمت منها طول عمرها،
وعلاقتي بها كانت بتبقى أقوى من أي وقت، مش كضرّة ولا كأم تانية، بل كأخت وصديقة قريبة من كل قلبها.
والفستان ده اللي بدأنا به كل الحكاية، حطيناه في مكان مميز في البيت، مش عشان تذكير بالماضي المؤلم، بل عشان تذكير إن الحق مهما طال بياخد مجراه، وإن الحب مهما حاولوا بيطلع للنور من جديد، وإن كل كدبة مهما كبرت وطالت عمرها لابد يوم تفضح وتنتهي.
وكل يوم كنا بنشكر ربنا إنه أظهر الحقيقة، وجمعنا كلنا مع بعض، وعوضنا عن كل السنين اللي راحت، وعرفنا إن العيلة مش پالدم بس، بل بالحب والترابط والصدق، وإن مهما حصل ومهما طال الزمن، ربنا بيجيب الحق لصاحبه في الوقت المناسب اللي هو عارفه وحده.
وما بقاش في قلب أي منا كره
ولا حقد، بل كل اللي كان فيه حب وتسامح وأمل في مستقبل أحسن، نعيشه كلنا مع بعض، وننسى كل ألم الماضي، ونكتب من جديد صفحات بيضاء مليانة سعادة وهنا، ما فيها غير الحقيقة والحب اللي ما يقدرش
أي حد يفرق بينهم أبداً.




