
عندما أشارت الساعة إلى الحادية عشرة وثمانٍ وخمسين دقيقة، عبرت رانية بوابة قصر عائلة زوجها وهي تحمل صغيرتها نور النائمة بين ذراعيها.
لم ترتدِ زيها العسكري هذه المرة، بل اختارت بنطالاً أسود وقميصاً أبيض بسيطاً، وربطت شعرها بإحكام، بالانضباط نفسه الذي اعتادت أن تدخل به غرف العمليات. كانت ملامحها هادئة، لكن خلف ذلك الهدوء كانت عاصفة على وشك أن .
في الداخل، كانت فوزية تجلس إلى جوار ابنتيها، رشا ودينا، وهن يتبادلن الهمسات ونظرات الاستياء، وكأن من تعرض للإهانة في الليلة الماضية كانت فوزية، لا رانية.
وما إن وقعت عيناها عليها حتى قالت ببرود يخالطه التهكم:
— «لم يكن هناك أي داعٍ لإثارة كل هذه الضجة. غادر الضيوف وهم يتحدثون عن أسلوبكِ الفظ، لا عن المزحة نفسها.»
لم تُجبها رانية.
اكتفت بالنظر إليها نظرة قصيرة، ثم تابعت سيرها حتى جلست في مكانها بهدوء.
أما طارق، فظل واقفاً قرب الباب، شاحب الوجه، بعينين متورمتين من السهر، بينما كانت يداه ترتجفان بصورة لم يستطع إخفاءها.
وعندما دقت الساعة الثانية عشرة تماماً، وقف عاصم، كبير العائلة وصاحب مجموعة شركات المقاولات، وقال بصوت حازم:
— «أغلقوا أبواب الصالون.»
أُغلقت الأبواب الثقيلة، ثم تابع بنبرة لا تحتمل الجدل:
— «اليوم… لن يغادر أحد هذا المكان قبل أن تنكشف الحقيقة كاملة.»
في اللحظة نفسها، توقفت سيارتان أمام القصر.
وبعد ثوانٍ، دخل اللواء المتقاعد طاهر يتقدمه وقاره المعتاد، وبرفقته محامية متخصصة في قضايا الأسرة، وموثق عقود قانوني، وامرأة مسنة ما إن رأتها رانية حتى تعرفت إليها فوراً.
كانت أمينة…
مديرة شؤون القصر والسكرتيرة السابقة لفوزية، التي طُردت قبل ثلاثة أسابيع فقط.
تغير لون وجه فوزية، وقالت بحدة:
— «ما الذي تفعله هذه المرأة هنا؟»
أجابتها أمينة بثبات لم تهزه نظراتها:
— «جئت لأفعل ما كان يجب أن أفعله منذ زمن طويل.»
اقترب اللواء طاهر من ابنته، احتضنها برفق، ثم انحنى ليقبل جبين حفيدته الصغيرة.
بعدها التفت إلى عاصم قائلاً:
— «أشكرك لأنك وافقت على أن يُناقش هذا الأمر أمام الجميع.»
قهقهت رشا بسخرية وقالت:
— «وماذا بعد؟ هل ستلقون علينا درساً في الأخلاق؟»
فتحت المحامية حقيبتها الجلدية، وأخرجت ملفاً سميكاً وضعته على الطاولة، ثم قالت بصوت رسمي حاسم:
— «لا… نحن هنا لكشف مؤامرة مدبرة استهدفت موكلتي، السيدة رانية.»
ساد الصالون صمت ثقيل.
وتابعت:
— «كانت الخطة تقوم على استفزازها حتى تفقد أعصابها أمام الحضور، ثم تصويرها وهي في حالة انهيار، تمهيداً لاستخدام تلك المقاطع أمام محكمة الأسرة، والطعن في أهليتها كأم تمهيداً لانتزاع حضانة طفلتها.»
خيّم على المكان صمت يشبه صمت المقابر.
أغمض طارق عينيه، بينما شعرت رانية بقشعريرة باردة تسري في جسدها.
همست غير مصدقة:
— «حضانة…؟»
فتحت المحامية الملف، وأخرجت مجموعة من الأوراق، ثم راحت ترتبها أمام الجميع.
كانت هناك مسودات لدعوى طلاق، وتقارير نفسية، ورسائل نصية مطبوعة.
رفعت إحدى الصفحات وقالت:
— «هذه رسالة أرسلتها السيدة فوزية إلى ابنها طارق.»
ثم قرأت بصوت واضح:
««اجعلها تفقد أعصابها أمام الجميع. إذا صرخت أو دفعتني عندما آخذ الطفلة، فسيكون لدينا شهود يكفون لإثبات أنها غير مؤهلة لتربيتها.»»
ثم التقطت ورقة أخرى وأضافت:
««امرأة تعمل في ذلك المجال لا يمكنها تربية طفلة كما ينبغي. نور يجب أن تكبر وهي تحمل اسم عائلتنا، لا أن تنشأ في البيئة التي جاءت منها أمها.»»
رفعت رانية بصرها ببطء نحو زوجها.
لم يكن في عينيها غضب…
بل خيبة أمل موجعة.
وسألته بصوت هادئ أربكه أكثر من أي صراخ:
— «هل كنت تعلم؟»
ظل صامتاً لثوانٍ طويلة، ثم قال بصوت متقطع:
— «لم أكن أريد أن تصل الأمور إلى هذا الحد…»
3
اهانة عقيد- حكايات محمد نور




