عام

عقيد- حكايات محمد نور

قاطعته فوراً:

— «لم يكن هذا سؤالي.»

ثم أعادت السؤال ببطء، وهي تثبت عينيها في عينيه:

— «هل… كنت… تعلم؟»

أطرق رأسه، وأجاب أخيراً:

— «نعم.»

خرج الاعتراف منه مثقلاً بالخزي.

ثم أضاف بسرعة وكأنه يبحث عن عذر:

— «كنت أعلم أن أمي تريد تصويرك، لكنها أقسمت لي أن الهدف مجرد الضغط عليك لتتركي عملك وتتفرغي لنور وللمنزل.»

حدقت فيه رانية وكأنها تراه للمرة الأولى.

ثم قالت بصوت خالٍ من أي مشاعر:

— «ووقعت أيضاً على مسودة دعوى ؟»

ابتلع ريقه وأجاب:

— «كان مجرد إجراء احترازي.»

ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة.

— «احترازي… ضد من؟»

ثم أردفت بنبرة أكثر حدة:

— «ضد أم ابنتك؟!»

لم تتحمل فوزية استمرار المواجهة، فنهضت صارخة:

— «يكفي! رانية لم تكن يوماً جزءاً من هذه العائلة. كانت دائماً غامضة، وتتصرف وكأنها أفضل منا جميعاً، بينما نحن لا نعرف حتى ماذا تعمل في تلك المكاتب الحكومية التي تتحدث عنها!»

تقدم اللواء طاهر خطوة إلى الأمام، لكن رانية رفعت يدها بهدوء لتوقفه. أرادت أن يكون الرد منها هذه المرة.

نظرت مباشرة إلى فوزية وقالت بثبات:

— «طبيعة عملي سرية، ولأسباب أمنية لا يمكنني الحديث عنها. وطارق كان يعلم حقيقة عملي بكل تفاصيلها قبل أن نتزوج.»

التفت عاصم نحو ابنه، وقد اشتعل الغضب في عينيه.

— «لكنك أخبرتنا أنها مجرد موظفة إدارية في أحد المكاتب الحكومية!»

خفض طارق رأسه، وعجز عن الرد.

وقبل أن ينطق بكلمة، قطعت أمينة الصمت قائلة:

— «لا يا سيدي… لم يقل ذلك لأنه كان يجهل الحقيقة، بل لأنه كان يخجل منها.»

توجهت بأنظارها إلى طارق، ثم أكملت:

— «كان يشعر بالإهانة لأن زوجته تحمل رتبة عسكرية رفيعة، وتتمتع بانضباط ومكانة في الدولة تفوق مكانته هو، بينما لا يزال يعتمد على أموال والده.»

شحب وجه طارق حتى كاد يفقد لونه.

أخرجت أمينة هاتفها، وضغطت على أحد التسجيلات الصوتية.

وسرعان ما دوّى صوته في أرجاء الصالون:

««إذا عرفت عائلتي أن رانية برتبة عقيد أركان حرب، فلن يتوقفوا عن مقارنتي بها. الأفضل أن يعتقدوا أنها مجرد موظفة بسيطة، وأنني أنا من يعيل هذا البيت.»»

ساد الصمت.

اختفت الابتسامة عن وجه رشا تماماً، بينما رمقت دينا شقيقها بنظرة امتزج فيها الاحتقار بالصدمة.

أما فوزية، فعقدت ذراعيها وقالت بكبرياء مصطنع:

— «عقيد؟! أرجوكم… أي شخص يستطيع الادعاء بأنه يحمل رتبة أو منصباً.»

لم يعلق اللواء طاهر.

فتح بهدوء مجلداً صغيراً كان يحمله، وأخرج صورة رسمية لرانية بالزي العسكري الكامل، التُقطت أثناء مراسم ترقيتها بحضور كبار قادة الجيش.

لم تكن هناك حاجة إلى أي وثائق سرية.

فالصورة وحدها كانت كافية لإسكات الجميع.

تجمد عاصم في مكانه، وحدق في ابنه مذهولاً.

— «كل هذه السنوات…؟»

أجابت رانية بهدوء:

— «طوال هذه السنوات، ظننتم أن صمتي ضعف، أو خجل من أصولي. بينما كان في الحقيقة انضباطاً تعلمته من المؤسسة العسكرية، واحتراماً لنفسي قبل أي شيء.»

حاولت فوزية استعادة زمام الموقف فقالت باستخفاف:

— «حتى لو كان كل هذا صحيحاً، فهو يؤكد ما كنت أقوله. امرأة تعمل في السلك العسكري، تسافر باستمرار، وتصدر الأوامر… كيف ستمنح طفلة صغيرة الاستقرار الذي تحتاجه؟»

أجابتها رانية ببرود:

— «ابنتي تنعم بالاستقرار بالفعل.»

ثم أضافت وهي تحدق فيها:

— «لكنها لن تنشأ مع جدة ترى في إهانتها أمراً مسلياً، ولا مع أب شارك في التخطيط من أمها.»

اقترب طارق بخطوات متعثرة، والدموع تملأ عينيه.

— «رانية… أرجوكِ. كنت خائفاً. أمي أقنعتني بأنك تغيرت بعد الولادة، وأنك قد تأخذين نور وترحلين في أي لحظة.»

رمقته بنظرة ثابتة وقالت:

— «أمك هي من نصبت الفخ… وأنت ساعدتها في إحكامه.»

4

اهانة عقيد- حكايات محمد نور

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى