عام

عقيد- حكايات محمد نور

قال بصوت :

— «لكنني أحبكِ.»

أجابته دون أن يتغير تعبير وجهها:

— «الحب الذي يحتاج إلى أن يراني ضعيفة ومكسورة حتى يشعر صاحبه بالأمان… ليس حباً.»

في تلك اللحظة، اندفعت فوزية نحو الطاولة محاولة انتزاع الأوراق وتمزيقها.

لكن موثق العقود تدخل لأول مرة، وقال بصرامة:

— «لا فائدة من ذلك يا سيدتي. هذه مجرد نسخ، أما الأصول فهي محفوظة لدى الجهات القانونية.»

توقفت يدها، وسقطت الأوراق منها كأنها تمسك جمراً مشتعلاً.

التفت عاصم إلى أمينة وسألها بذهول:

— «كيف حصلتِ على كل هذه الأدلة؟»

تنهدت أمينة، ثم قالت:

— «عثرت على مسودات الدعوى منسية في مكتب السيدة فوزية. وبعدها سمعتهم يتحدثون عن تركيب كاميرات خفية داخل قاعة الحفل.»

وتابعت بصوت اختلطت فيه المرارة بالأسى:

— «وعندما واجهتها بما سمعته، فوراً، حتى تشوه سمعتي.»

ساد الصمت مجدداً.

لكن أمينة لم تكن قد انتهت بعد.

اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول:

— «ولم يكن ذلك كل شيء…»

تعلقت أنظار الجميع بها.

قالت بصوت مرتجف:

— «طلبت مني السيدة فوزية أن أضع طاولة صغيرة وضيقة عند المخرج، بحيث تتعثر بها رانية إذا غادرت غاضبة وهي تحمل الرضيعة… ليتم تصويرها وهي تسقط الطفلة من بين يديها.»

شعرت رانية بقشعريرة تجتاح جسدها.

استدارت تلقائياً نحو الممر الذي خرجت منه في الليلة السابقة.

وفجأة تذكرت تلك الطاولة الجانبية المزينة بالورود، والتي استغربت يومها وجودها في غير مكانها المعتاد.

لقد مرت بجوارها بفارق سنتيمترات فقط.

ضغط اللواء طاهر على أسنانه حتى برزت عروق عنقه، وقال بصوت مكتوم من شدة الغضب:

— «كان ذلك كفيلاً بأن يعرض حياة حفيدتي للخطر.»

هزت أمينة رأسها وقالت بسرعة:

— «ولهذا نقلت الطاولة من مكانها قبل بدء الحفل مباشرة. لم أكن لأسمح بحدوث شيء يمس الطفلة.»

في تلك اللحظة، تبدلت أجواء الصالون بالكامل.

لم يعد الأمر مجرد حماة متعالية ألقت مزحة سخيفة بدافع الطبقية.

بل أصبح الحديث عن محاولة مدبرة لتعريض رضيعة لا يتجاوز عمرها خمسة أسابيع للخطر، من أجل صناعة دليل يُستخدم داخل قاعة المحكمة.

استدار عاصم نحو زوجته، وكانت ملامحه تنذر بانفجار وشيك.

قال بصوت دوّى في أرجاء الصالون:

— «قولي لي إن هذا غير صحيح.»

صرخت فوزية وقد بدأ  إلى صوتها:

— «كنا نريد فقط أن نخيفها! لم يكن أحد سيؤذي الطفلة!»

اقترب منها عاصم خطوة وقال بغضب:

— «استخدمتِ حفيدتي طُعماً؟! من أجل ماذا؟»

ردت وهي تحاول الدفاع عن نفسها:

— «من أجل كرامة العائلة!»

هز رأسه بقوة وقال:

— «لا… بل فعلتِ ذلك لأنك لا تحتملين أن يرفض أحدٌ تعتبرينه أقل منكِ الانحناء لإرادتك.»

نظرت فوزية حولها تبحث عن أي وجه يؤيدها.

لكن رشا ودينا أشاحتا بوجهيهما عنها.

وكان طارق يبكي في صمت.

أما بقية أفراد العائلة، فتجنبوا حتى النظر إليها.

ورغم كل ما انكشف، لم تشعر رانية بأي انتصار.

كل ما شعرت به كان حزناً ثقيلاً… ذلك الحزن الذي يرافق الإنسان عندما يكتشف أن أسوأ مخاوفه كانت صحيحة منذ البداية.

تقدمت بخطوات هادئة نحو الطاولة.

ثم نزعت خاتم زواجها من إصبعها، ووضعته فوق سطحها برفق، وكأنها تطوي آخر صفحة من حياة لم يعد لها مكان.

نظرت رانية إلى الجميع للحظات، ثم قالت بصوت هادئ لا يخلو من الحسم:

— «ستتولى المحامية اليوم رفع دعوى الطلاق، وسأتخذ كل الإجراءات القانونية والأمنية اللازمة لحماية ابنتي.»

وما إن أنهت كلماتها حتى اندفع طارق نحوها، وارتمى عند قدميها وهو يبكي:

— «أرجوكِ… لا تحرميني من ابنتي!»

نظرت إليه بعينين خاليتين من أي تردد، وقالت:

— «أنت من ساعد والدتك أولاً في محاولة حرماني منها.»

رفع رأسه وهو ينتحب:

5

اهانة عقيد- حكايات محمد نور

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى