عام

عقيد- حكايات محمد نور

— «أستطيع أن أتغير… أقسم لكِ.»

هزت رأسها بهدوء، ثم أجابت:

— «ربما… لكنني لن أجعل ابنتي حقل تجارب لأكتشف إن كنت ستصبح رجلاً يوماً ما.»

ساد الصمت في أرجاء الصالون.

عندها تقدم عاصم خطوة إلى الأمام، ونظر إلى زوجته نظرة حاسمة لم تعهدها من قبل، ثم أعلن أمام أفراد العائلة جميعاً:

— «اعتباراً من اليوم، تُجرد فوزية من إدارة المؤسسة الخيرية التابعة للعائلة، وتُسحب منها جميع الصلاحيات المتعلقة بالحسابات البنكية والعقارات الخاصة بالشركة.»

تجمدت فوزية في مكانها.

ثم تابع عاصم بصوت ثابت:

— «وليس هذا لأنكِ سببتِ لنا فضيحة أمام الناس… بل لأن من يحمل كل هذا الحقد إلى درجة التفكير في إيذاء رضيعة، لا يمكن الوثوق به لإدارة أموال خُصصت لرعاية النساء والأطفال.»

صرخت فوزية وهي تنظر إلى الوجوه المحيطة بها:

— «أنتم جميعاً !»

لكن اللواء طاهر رد عليها بكل هدوء، وبالثقة نفسها التي اكتسبها خلال سنوات خدمته العسكرية:

— «الخيانة الحقيقية لم تحدث اليوم… بل يوم حولتِ طفلة حديثة الولادة إلى أداة في حرب لم تكن موجودة إلا في عقلك، وصنعتها أوهامك وكبرياؤك.»

—

خلال الأشهر التالية، قدمت المحامية إلى محكمة الأسرة جميع الأدلة.

مقطع الفيديو الذي وثق أحداث الحفل.

والرسائل النصية.

والتسجيلات الصوتية.

ولم تنشر رانية أي شيء على وسائل التواصل الاجتماعي، رغم امتلاكها ما يكفي لفضح العائلة أمام الجميع.

فلم تكن تسعى إلى الانتقام أو التشهير.

كان كل ما تريده هو أن تضمن ألا يتدخل أحد منهم في حياتها أو حياة ابنتها مرة أخرى.

وبعد جلسات عدة، صدر الحكم.

أقرت المحكمة أن تبقى الطفلة نور في حضانة والدتها.

وسُمح لطارق برؤيتها من خلال زيارات مراقبة، مشروطة باستمراره في برنامج علاج نفسي متخصص.

أما فوزية، فقد صدر قرار يمنعها تماماً من الاقتراب من حفيدتها.

وفي المقابل، حصلت السيدة أمينة على اعتذار رسمي من عاصم، إضافة إلى تعويض مالي كبير عن فصلها التعسفي.

ورغم ذلك، رفضت العودة للعمل في القصر.

لكنها ظلت تزور رانية ونور باستمرار، حتى أصبحت بالنسبة لهما فرداً من العائلة، لا مجرد موظفة سابقة.

—

أما الطوق الأسود، ذلك الذي بدأ كل شيء…

فلم تتخلص منه رانية.

احتفظت به داخل صندوق صغير أغلقته بعناية، وأرفقت معه رسالة كتبتها بخط يدها، لتقرأها نور عندما تكبر.

وجاء فيها:

««حاولوا استخدام هذا الطوق ليقنعوكِ بأن مكانك في الأسفل.

لكن تذكري دائماً يا نور…

مكانك الحقيقي لا يحدده أحد سواكِ.

ارفعي رأسكِ دائماً، واصعدي إلى القمة، حيث لا يستطيع أحد أن يفرض عليكِ قيمتك أو ينتقص من كرامتك.»»

—

مرت السنوات…

ومع ذلك، لم تتوقف فوزية عن ترديد الرواية نفسها في كل مجلس.

كانت تصف ما حدث بأنه «مجرد دعابة»، وتصر على أن الجميع بالغ في رد فعله.

وانقسم الأقارب بين من رأى أن رانية كانت حين بالعائلة، ومن رأى أن من يحاول استغلال حفيدته وإيذاءها لتحقيق مصلحة شخصية، لا يستحق فرصة ثانية.

أما رانية…

فلم تدخل في أي نقاش.

كانت قد تعلمت من والدها أن الكرامة لا تحتاج إلى صخب حتى تثبت وجودها.

وأحياناً…

كل ما تحتاجه الكرامة هو أن تحمل ابنتك بين ذراعيك، وتغادر المكان مرفوعة الرأس…

من دون أن تلتفت إلى الوراء.

وفي النهاية، لم يكن طوق الكلب هو ما تلك العائلة.

بل الحقيقة التي انكشفت أمام الجميع.

حقيقة أنهم ضحكوا بينما كانت أم ورضيعتها تتعرضان .

ولم يشعروا بالندم إلا عندما أدركوا أن المرأة التي لم تكن ضعيفة كما ظنوا…

بل كانت تملك من القوة، والانضباط، والحق ما يكفي مخططاتهم بالقانون، ويحمي كرامتها دون أن من أحد.

حكايات محمد نور

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى