عام

قصة العِقد المفقود ودهاء القاضي

في إحدى مدن الشرق القديمة، كانت هناك امرأة صالحة تمتلك عِقداً ثميناً من اللؤلؤ النادر، ورثته عن والدتها وكان يمثل كل ثروتها. أرادت المرأة السفر لزيارة أقارب لها في مدينة بعيدة، فخاڤت على العِقد من مشاق الطريق .بحثت عن شخص مؤتَمَن، فدلوها على تاجر معروف في السوق بحسن سيرته وعبادته. ذهبت إليه وأودعته العِقد أمانة في صرّة مغلقة حتى تعود. شكرها التاجر وأقسم لها أنه سيحفظ الأمانة فيخزانته الخاصة كأولاده والإنكاربعد أشهر، عادت المرأة من سفرها وتوجهت فوراً إلى دكان التاجر. سلمت عليه وطلبت أمانتها، فنظر إليها التاجر بنظرة باردة وقال مستنكراً:

“عِقد؟ أي عِقد تتحدثين عنه يا امرأة؟ أنا لا أعرفكِ ولم أركِ في حياتي، اذهبي من هنا قبل أن أمر الحراس بطردكِ پتهمة الافتراء!”

مقالات ذات صلة

صُعقت المرأة وخرجت تبكي بحړقة في شوارع المدينة، فالناس يعرفون التاجر بالصلاح ولن يصدقها أحد، ولم يكن معها أي شهود. نصحها أحد المارّة

بالذهاب إلى قاضي المدينة وكان يُدعى “القاضي ذكوان”، مشهوراً بفطنته الكبيرة.

خطة القاضي الصامتة

استمع القاضي ذكوان إلى قصتها بدقة، وعلم أنه لا توجد أدلة مادية. فكر قليلاً ثم قال لها:

“اذهبي الآن، وقومي غداً بمراقبة دكان التاجر. عندما آتي أنا غداً بحاشيتي وأمرّ بالسوق، سأقف عنده وأسلم عليه بحرارة وأتحدث معه كأنه أعز أصدقائي. أنتِ لا تتدخلي تماماً، فقط انتظري حتى أنصرف، ثم ادخلي إليه واطلبي العِقد مرة أخرى.”

وفي اليوم التالي،

نزل القاضي إلى السوق بموكبه المهيب وحراسه. وعندما وصل إلى دكان التاجر، نزل عن فرسه، وعانق التاجر بحرارة، وجلس معه في الدكان يضاحكه ويستشيره في بعض أمور القضاء أمام سائر تجار السوق، والتاجر يكاد يطير فرحاً وزهواً بهذه المكانة العالية التي ظهر بها أمام الناس.

قبل أن ينصرف القاضي، الټفت إلى التاجر وقال له بصوت مسموع: “يا صديقي، لقد اشتقت لحديثك، أرجو أن تزورني في منزلي هذا المساء لنتناول العشاء معاً ونتباحث في أمر مهم”. وافق

التاجر بفخر شديد.

متابعة القراءة

2

قصة العِقد المفقود ودهاء القاضي

سحر الهيبة والخۏف

بمجرد أن تحرك موكب القاضي واختفى عن الأنظار، تقدمت المرأة بخطوات ثابتة ودخلت الدكان. وقفت أمام التاجر وقالت بصوت هادئ: “أريد العِقد”.

التاجر، الذي كان لا يزال منتشياً بزيارة القاضي، وممتلئاً بالخۏف من أن تشتكيه هذه المرأة فتهدم هذه العلاقة الجديدة والرفيعة مع أعلى سلطة قضائية في

المدينة، تغيرت ملامحه تماماً. فكر سريعاً أن القاضي لو علم بأدنى شائبة حول أمانته فسيخسر كل شيء.

ابتلع التاجر ريقه، وتظاهر بالضحك وقال:

“أوه! معذرة يا سيدتي، لقد تذكرت الآن! في المرة الماضية كنتُ مشغولاً جداً وحسبتكِ امرأة أخرى تختبرني. العِقد في الحفظ والصون!”

فتح خزانته على الفور، وأخرج الصرّة وسلمها

إليها كاملة غير منقوصة وهو يرجوها ألا تخبر أحداً.

العدالة الناجزة

أخذت المرأة عِقدها وذهبت مسرعة إلى القاضي تشكره وتبكي من الفرحة، فأمر القاضي بإحضار التاجر فوراً في تلك الليلة. وعندما دخل التاجر ظاناً أنه جاء للعشاء الفاخر، وجد حراس المحكمة في انتظاره.

قال له القاضي بحزم:

“أيها ، ظننتَ أن

لباس الصلاح سيحجَب دناءة نفسك؟ لقد رددتَ الأمانة خوفاً من سلطتي لا خوفاً من الله. والآن، ستدفع غرامة بحجم قيمة العِقد للفقراء، وتُسجن حتى يتأدب أمثالك!”

توضح هذه القصة كيف أن الذكاء لا يتطلب دائماً مواجهة مباشرة أو فخاً كلامياً، بل أحياناً يتطلب “تغيير موازين القوى النفسية” ليدفع الظالم إلى الاعتراف

أو رد الحق بنفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى