
تاني يوم الصبح، البيت كان ساكن سكون يرعب، سكون قبل العاصفة. محمد صحي من النوم وجهز نفسه للنزول من غير ما ينطق معايا كلمة واحدة، ولا حتى بص في وشي. أنا طول الليل ما غمضتش عين، قاعدة باخد شهد في حضني وكل ما تنام وتتفزع أكتم صرختها في صدري.
أول ما محمد قفل باب وراه ونزل، سمعت صوت حركة في أوقات مش طبيعية في أوضة حمايا. قلبي انقبض، وجريت على شهد، مسكت إيدها جوه أوضتها وقَفَلت عليها بالمفتاح وقلت لها: “أوعي تفتحي لأي حد يا شهد، حتى لو سمعتيني بنده عليكي، ما تفتحيش غير لما أجي أفتح لك أنا بنفسي.”
طلعت الصالة وبدأت أراقب حمايا من بعيد. الراجل كان بيتحرك ببطء، نظراته زاغية ومفيش أي تعبير على وشه، لكن جوايا كان فيه نار بتاكل في كل خلية. كنت بباعد بيني وبينه، ووالله العظيم ما كنت قادرة أبص في وشه. الإحساس بالخيانة والعجز كان قاتلني، خايفة على بنتي وفي نفس الوقت مش قادرة أستوعب إن الراجل المريض ده، اللي كنت بمسح دموعه وأداويه، بقى مصدر خطر وتهديد للقطعة الوحيدة اللي حيّة في حياتي.
ساعات مرت عليا كأنها سنين، لحد ما الساعة جات أربعة العصر، وسمعت صوت المفتاح بيلف في الباب. افتكرت محمد راجع من شغله، بس المفاجأة الكبرى كانت لما الباب اتفتح، ودخل محمد وجايب معاه اتنين ستات ورجلين ما أعرفهمش!
بصيت له باستغراب وقلت له: “مين دول يا محمد؟ في إيه؟”
محمد بص لي بنظرة برود وقسوة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده، وقال بصوت حاد ومباشر:
“دول الناس اللي هيستلموا منك كل حاجة من النهاردة.”
قلت له برعشة: “يعني إيه؟ مش فاهمة!”
قرب مني ومسكني من دراعي بقوة، بس المرة دي بصوت واطي ومسموم: “أنا عملت اللي كان لازم يتعمل من زمان. أنتِ مش بتقولي مش قادرة تحمي البنت وأبوي خطير؟ أنا جبت له ممرض مقيم هنا، أهو أستاذ عصام، وهيستلم رعايته كاملاً.. وأما بقى الستات دول، فدول ممرضات وهيجوا عشان شهد!”
ساعتها الدنيا دارت بيا، قلت له بصوت مخنوق: “ممرضات لشهد إيه؟! شهد مالها؟ شهد كويسة!”
رد عليا بابتسامة خبيثة كشفت عن شخص غريب تماماً غير اللي عرفته تسع سنين: “شهد كويسة؟ لا يا هانم، بنتك عندها تهيؤات ومشاكل نفسية، وأنتِ بتغذي فيها الفكرة دي عشان تطفشي أبوي. أنا اتفقت مع دكتور نفسي، والممرضات دول هيقعدوا معاها ويبدأوا معاها جلسات علاج وتهدئة في البيت، وممنوع تخرجيها ولا تطلعي بيها بره الباب ده!”




