روايات وقصص

زهايمر

صرخت بعالي صوتي: “أنت اتجننت يا محمد؟! أنت عايز تطلع بنتك مجنونة عشان تحمي أوهامك؟ أنت بتعمل إيه؟!”

جريت على أوضة شهد عشان ألحقها، بس محمد جاب الرجلين اللي معاه، ومسكوني بقوة. كنت بعافر وأصرخ وأضرب فيهم بحرقة، والبنت جوة الأوضة بدأت تصرخ وتخبط على الباب: “يا ماما! افتحي لي يا ماما! خايفة يا ماما!”

محمد أخد المفتاح من جيبه، فتح الباب ودخل هو والستات، وأنا مربوطة وممسوكة بره مش قادرة أتحرك. سمعت شهد بتصرخ وبتبكي وهو بيقول لها: “اهدي يا حبيبتي، دول خالاتك هيساعدوكي عشان التهيؤات دي تروح من

راسك.”

كانت المأساة إن محمد، من كتر الصدمة وإنكاره لوضع أبوه، قرر يعالج المشكلة بالعكس! قرر يتهم بنته بالمرض والتهيؤات، ويحطها تحت الحراسة والتهدئة، عشان يحمي صورته قدام نفسه وإخواته، وعشان ما يعترفش إن أبوه وصل للمرحلة دي!

قعدت على الأرض أصرخ وأبكي وأترجاه: “يا محمد عشان خاطر ربنا، حرام عليك البنت! البنت مفيهاش حاجة! شهد صغيرة ومش بتكدب!”

لكنه كان زي الحجر. الممرضات أدوا شهد نقط تهدئة في المية بس بأسلوبهم، والبنت نامت من كتر البكاء والتعب. الموقف كان يرعب، بيت كامل بيتحول لمستشفى أمراض نفسية مصغرة بس عشان راجل مش راضي يعترف بالحقيقة.

فضلت محبوسة في أوضتي طول الليل، ومحمد قافل عليا الشقة وماسح كل وسيلة تواصل. تلفوني أتاخد مني، والباب كان مقفول بالمفتاح من بره. كنت حاسة إني في كابوس ملوش آخر. بصيت من شباك الأوضة لقيت الشارع هادي، والناس عايشة حياتها طبيعي، وأنا جوة أربعة جدران بضيع أنا وبنتي على إيد أقرب الناس لينا.

على فجر اليوم التاني، سمعت حركة غريبة في الصالة. أصوات دربكة وصراخ خفيف. طلعت أجري على باب الأوضة، حركت الأكرة بجميع قوايا لحد ما الباب فتح بالصدفة – يبدو إن محمد نسى يقفله كويس بعد ما دخل يجيب حاجة.

أول ما طلعت الصالة، شفت مشهد خلاني أقف مكاني مذهولة.

حمايا كان واقف في وسط الصالة، ماسك فازة كريستال كبيرة، وواقف فوق محمد اللي كان واقع على الأرض ودمه سايح من رماغه! الممرض عصام كان بيحاول يسيطر على حمايا، والستات

بيصرخوا ورجعوا لورا بخوف.

حمايا كان بيصرخ في محمد بنبرة مرضية مرعبة: “أنت مين؟! أنت حرامي ودخلت بيتي تريد تسرقني! يموت الحرامي!”

محمد كان على الأرض بيمسك دماغه وعينيه زي المصدومة، يبص لأبوه ومش مصدق. الراجل اللي ضحى بعيلته وبنته عشان يحميه ويداري عليه، كان واقف فوقه وعايز يقتله وهو مش عارفه أصلاً!

في اللحظة دي، محمد بص لي وعينيه مليانة دموع وندم، وقال بصوت يترعش ومختنق: “أنا أسف… أنا أسف يا شيماء…”

جريت بسرعة ودخلت أوضة شهد، صحيتها وأخدتها في حضني من غير ما أفكر في أي حاجة ثانية. أخدت هدومها وشنتطها الصغيرة، وطلعت الشارع وأنا ماسكة إيدها بكل قوتي.

محمد اتنقل المستشفى وخاط غرز في دماغه، ولما فاق، كان أول حاجة عملها إنه اتصل بيا وهو بيبكي من قلب مكسور. اعتذر لي ألاف المرات، واعترف إنه كان رافض يصدق الحقيقة عشان عقله ما استحملش إن أبوه، القدوة والأب اللي كبره، يوصل للدرجة دي من الخرف والتصرفات البشعة.

قدم محمد أوراق أبوه في مصحة ورعاية متخصصة لكبار السن وحالات الزهايمر المتقدمة، المكان الوحيد اللي يقدر يتعامل مع حالته الخطيرة ويعزل خطره عن المجتمع وعن نفسه.

أنا أخدت بنتي ورجعت بيت أهلي لفترة، عشان شهد تتعالج من الخوف والرعب اللي عاشته، وعشان محمد يعرف إن حماية الضنى وقول الحق أهم من أي إنكار وأهم من أي حاجة ثانية في الدنيا. الدرس كان قاسي جداً، بس عرفنا في الأخر إن المرض مش عيب، لكن العيب والخطر الحقيقي هو إننا نغمض عنينا

عن الحقيقة ونضحي بالبي الأبرياء عشان نرضي كبرياءنا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى