عام

بعد سبع سنين

5

بعد سبع سنين

— عارف.. عارف إن الـ 7 سنين دول مش هيرجعوا بكلمة ولا بـ 3 أسابيع، ولا حتى بـ 3 سنين.. بس أنا مش جاي أعوض اللي فات يا ياسمين، أنا جاي أحضر اللي جاي.. لو وافقتِ تسيبيني أكون موجود.

ياسمين بصلتي بثبات، وقالت بصلابة المكسور اللي اتعلم يقف على حيله:

— سيف مش لعبة يا إسلام.. الولد ده كبر وهو فاكر إن أبوه مات في الشغل، كبر وهو شايفني بشيل كل حاجة لوحدي.. لو ناوي تدخل حياته يومين وتزهق، أو شغل المأموريات يشدك تاني وتختفي، أرجوك امشي من دلوقتي قبل ما يتعلق بيك وترجع تكسر قلبه.. أنا مستعدة أستحمل أي حاجة، بس سيف لأ.

— مش همشي.. وأقسم بالله ما هختفي تاني.

ومن اليوم ده، بدأت رحلة تانية خالص.

قدّمت على نقل رسمي من المأموريات الخارجية، وطلبت أكون ثابت في الخدمة جوة الإسكندرية، حتى لو ده هيأخر ترقيتي أو يقلل من رتبتي العسكرية.. ما كانش يهمني الشغل ولا الرتب زي الأول.. كان يهمني إن الساعة لما تيجي 3 العصر، أكون واقف قدام باب المدرسة مستني سيف وهو طالع بشنطته التقيلة.

في الأول، سيف كان بيتعامل معايا بحذر.. كان شايفني “عمو الضابط الطيب” اللي بيجيب بسكويت وبيصلح اللعب المكسورة.. بس مع الوقت، الثلج بدأ يدوب.

أول مرة قاللي فيها “يا بابا” كانت بعد 4 شهور.. كنا قاعدين في الجنينة وبنحاول نطيّر طيارة ورق عملناها سوا، والطيارة كان كل شوية الشباك يطيرها وتوقع في الأرض.. هو اتعصب ورمى الخيط وقاللي:

— مش نافعة يا بابا!

الكلمة طلعت منه بعفوية كاملة، من غير ما يقصد.. هو ما أخدش باله، بس أنا جالي ذهول.. وقفت مكاني والدموع اتجمعت في عيني.. جُريت عليه وحضنته بقوة وهو مستغرب ومش فاهم أنا ليه بقيت طفل أصغر منه في اللحظة دي.

وعلى الناحية التانية، كانت ياسمين بتبص للمشهد من بعيد.. وبدأ كبريائها وجرحها القديم يهدوا بالتدريج لما شافت إني بجد اتغيرت، إني مش الراجل الأني والشكاك بتاع زمان.

في يوم، بعد ما سيف نام، قعدنا أنا وياسمين في الصالة بنشرب شاي.. كانت أول مرة نتكلم فيها عن زمان من غير صريخ ولا عتاب.

— أنت ليه ما سمعتنيش يا إسلام؟ — سألتني بهدوء.

— عشان كنت عبيط.. كنت فاكر إن الكبرياء والأصول هي إني أخد موقف حاسم وأمشي، وما كنتش فاهم إن المرجلة الحقيقية هي إني أحمي بيتي وأسمع مراتي وأثق فيها.. الصورة اللي شفتها لطارق صاحبك هي اللي عمّت عيني، وأمي كملت على عمياي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى