
مراتي ورثت عن أبوها تركة كبيرة، مبالغ مالية وشقق وأراضي. وعشان أجبرها تشترى شقة تانية تسجلها باسمي ونقدر نبدأ حياة جديدة، كلمت أمي وطلبت منها تيجي هي وإخواتي وتعيش معانا، وتضغط على مراتي لحد ما توافق تشتري الشقة البديعة اللي بتمنناها.
حاولت كتير أقنع مراتي نشتري شقة تانية وننقل فيها، لكن هي دايما كانت ترفض. المشكلة إنها فاهماني كويس، وأذكى من إنها تفرط في قرش واحد من حقها. كل ما أفتح معاها موضوع إننا نشتري شقة جديدة، تبصلي بنظرة كلها شك وتقولي: “الشقة دي ملكي ومكفيانا، ومش هطلع مليم من ورثي عشان أسهل عليك جوازة تانية!”
كانت حاسة ومدركة إن في حياتي واحدة تانية، وبدل ما تسيبلي المساحة، قفلت كل الأبواب.
بس أنا ما استسلمتش. البنت اللي اخترتها وأميرتي الجديدة، أبوها حط شرط واحد مفيش فيه فصال: “عايز شقة تمليك باسمها، تضمن حقها”. وأنا؟ كل القرشين اللي حيلتي ومبلغ تحويش عمري حطيتهم في شبكة وهدايا غالية للعروسة الجديدة.. خطوبة من ورا مراتي، وكله بالداري.
وعشان أكسر عنادها، كان لازم أستخدم خطة وأخليها هي اللي تطلب تغير المكان.
كلمت أمي: “تعالي اقعدي معايا في البيت، البيت بيتك يا أمي.. وحشانا”. وقولت لها على اللي في نيتي، وإنها تجيب إخواتي معاها عشان نضغط على مراتي، وده طبعا كان أسهل حاجة على أمي تعملها. جات أمي ومعاها الطلبات اللي ما بتخلصش؛ كل يوم وتاني عزومة، إخواتي وعيالهم، حركة ودوشة وضغط عصبي مش بيهدى. البيت اللي كان هادي بقى مليان بالحركة المستمرة، والمقصود واحد: نضغط عليها لحد ما تستسلم.
كنت بقعد أراقبها من بعيد وهي بتمسح العرق من وشها، شايلة الصواني وداخلة طالعة، وعيونها فيها طاقة غضب مكتومة. الخطة كانت ماشية صح من وجهة نظري: يا إما تزهق وتلم هدومها وتروح بيت أهلها غضبانة وساعتها الشقة تفضى، يا إما تفتح الخزنة وتشتري الشقة التانية عشان تخلص من الزحمة والكابوس ده.
ولما كانت تطلب مني فلوس عشان العزايم والمصاريف كنت برفض أديها وأقولها: “أنتِ عارفة ظروفي، طلعي من معاكِ ما تبقيش بخيلة”.
فكانت تقولى: “القرشين دول أنا عيناها للزمن”.
فكنت أقولها: “محدش يعرف عمره”.
فضلنا كده لحد ما في مرة تفاجأت بأكبر صدمة في حياتي ومكنتش أبدا أتوقعها.
دخلت البيت يومها ومجهزة نفسي إني أشوف نفس المشهد: أمي قاعدة في الصالة بتوجه الأوامر، وإخواتي وعيالهم ماليين المكان دوشة، ومراتي بتتحرك بينهم متنشنة وعرقانة. لكن أول ما فتحت الباب بالمفتاح، لقيت هدوء مش طبيعي.. هدوء يوحي بحاجة غير معتادة.
المكان كان نظيف ومترتب، مفيش صوت عيل واحد، ولا صينية طالعة ولا نازلة. أمي كانت قاعدة على الكنبة ساكتة، ومطاطية رأسها في الأرض بملامح مشدودة ومصدمة، وإخواتي قاعدين جنبها زي التلامذة اللي بيتعاقبوا، محدش فيهم ينطق بكلمة.
جريت على أمي بلهفة وذهول: “في إيه يا أمي؟ مالكم قاعدين كده ليه؟ هي عملت فيكم حاجة؟ هي طفشتكم ولا تطاولت عليكم؟”
أمي رفعت رأسها بالعافية، وعيونها ماليها الذهول والكسرة، وشاربت بيديها على باب الصالون من غير ما تتكلم.
مشيت بخطوات سريعة وفتحت باب الصالون، وكانت الصدمة اللي نزلت عليا زي الصاعقة. مراتي كانت قاعدة بكل هدوء وثقة، وفي إيديها كوباية شاي بتشرب منها، وقاعد جنبها راجل ببدلة أنيقة وشايل في إيده شنطة جلد سوداء، وعلى الطاولة قدامهم أوراق ومستندات كتير مكتوبة ببنود قانونية ورسمية.
أول ما دخلت، رفعت رأسها وبصتلي بابتسامة باردة جداً.. نظرة انتصار كشفتلي قد إيه أنا كنت مغفل.
قالتلي بصوت هادي وثابت هز أركاني: “أهلاً يا عريس.. اتفضل اقعد، المحامي أستاذ سامح كان مستنيك عشان في شوية أوراق لازم تطلع عليها قبل ما تمشي.”
قربت منها وأنا بصرخ ودمي بيفور: “أوراق إيه وزفت إيه؟! وإيه الهدوء ده؟ ومين الأستاذ ده أصلاً؟ أنتِ اتجننتِ ولا إيه اللي بيحصل في بيتي؟”
وقفت بكل ثبات، ومن غير ما ترفع صوتها، وقالتلي: “أولاً.. ده مش بيتك. ده بيتي أنا.. الشقة دي مكتوبة باسمي من زمان ورثاً عن أبويا. وثانياً، الأستاذ ده المحامي بتاعي، وبما إنك رفضت تصرف على عزوماتك وعيلة أختك، وطالبتني أطلع من ورثي للزمن.. أنا فعلاً طلعت للزمن، بس بطريقتي.”
سحبت الورقة الأولى من قدام المحامي وحطتها في وشي: “دي دعوى خلع اتفعت عليك النهاردة الصبح في المحكمة. ومفيش داعي للمماطلة، لأن كل قضايا النفقة والمؤخر والتمكين جاهزة.”
كملت وهي بتبص لإخواتي وأمي اللي كانوا سامعين كل كلمة من برة: “أما بالنسبة للشقة.. فأنا بعتها النهاردة بالكامل بعقد رسمي مسجل، وأخدت الفلوس حطيتها في البنك باسمي. والمالك الجديد استلم الشقة من ساعة واحدة، والأستاذ المحامي بيبلغك إن معاك مهلة ساعتين بالظبط تلم فيهم هدومك وهدوم الحاجة وإخواتك وتفضوا المكان، وإلا الجهات المختصة هتيجي تنفذ محضر إخلاء للمالك الجديد فوراً!”
رجليه ما شالتنيش، وقعدت على أقرب كرسي وأنا حاسس بدوخة شديدة. “بعتي الشقة؟! بعتي شقة أبوكي؟! أنتِ أكيد بتستعبطي! وعيلتي؟ وأمي اللي طردتيها دي تروح فين؟”
ضحكت ضحكة مكتومة وقالتلي نفس الجملة اللي كنت بقولها لها لما تطلب مني فلوس للبيت: “أنت عارف ظروفي.. اطلع من معاك وما تبقاش بخيل! مش أنت معاك شبكة وهدايا غالية خطبت بيهم خطيبتك الجديدة بالداري؟ روح خدهم منها واشتري بيهم شقة لأمك، أو روح اسكن في شقة أميرتك الجديدة.. محدش يعرف عمره يا أبو العروسة!”
أنا اتسمرت في مكاني، وعقلي اتوقف عن التفكير.. عرفت منين؟! عرفت عن الخطوبة وعن الدهب إزاي؟!
قبل ما أنطق بكلمة، المحامي وقف وفتح ساعته وقال بصرامة: “فاضل ساعة وخمسين دقيقة يا أستاذ.. ياريت تبدأوا تلموا شنطكم عشان المالك الجديد جاي يستلم المفاتيح.”
نزلت كلماتها عليا زي المطرقة. عرفت كل حاجة.. كانت عارفة عن الشبكة والخطوبة السرية، وكل دقيقة كانت بتخدم فيها أمي وإخواتي، كانت بتدبر فيها لضربتها القاضية، وأنا المنتفخ بغروري فاكر إني بضغط عليها عشان تسلم.




