روايات وقصص

ورث مراتى

وقفت مشلول مش قادر أتحرك، لكن أمي وإخواتي ما استنوش. صراخ إخواتي وبكاء عيالهم ملأ الصالة، ودخلوا في حالة هيستيريا وهم بيجروا على الأوض يلموا هدومهم في أكياس وشنط قديمة. أمي بقت بترتجف وتترجى مراتي بصوت مرتعش ودموعها نازلة على خدها: “يا بنتي حرام عليكِ.. روحنا فين في آخر النهار؟”

مراتي ما اهتزتش ليها شعرة، وقفت قدام الشباك تتابع الشارع بكل برود، وقالت بصوت جاف: “البيت اتخرب يوم ما دخلتوه بنية الخنق والضغط يا حاجة.. البيت ده مبقاش بيتي ولا بيت ابنك، والمالك الجديد زمانه على السلم، فرغوا الصالة فوراً.”

طلعت أجري عليها وحاولت أمسك إيدها أترجاها: “طب أنا.. أنا غلطت! حقك عليا، لغينا الجوازة، لغينا كل حاجة! نرجع الدهب، أرجوكي بلاش تفضحينا!”

بصت لإيدي وزقتني بقوة خلتني أرجع خطوات لوراء وقالت: “الدهب اللي هترجعه ده مش هينفعك.. لأن العروسة وأبوها زمانهم عرفوا كل حاجة. أنا بعت它们的 نسخة من صور شبكتكم وقوائم الهدايا اللي اشتريتها بفلوس بيتي وأنت ممتنع عن مصاريف بيتك، ودلوقتي هم بيحسبوك شخص استغلهم.. تفتكر أبو أميرتك الجديدة هيجوزها لواحد مطرود في الشارع وعليه قضايا؟”

الدم اتجمد في عروقي. خطيبتي وأبوها عرفوا! التحويشة اللي ضيعتها في الدهب عشان أتعرف بيهم راحت.. والشقة اللي كنت فاكر إني هاضغط على مراتي تشتريها طارت.. وحتى الشقة اللي قاعد فيها اتباعت لغيري!

وفجأة، الباب اتفتح بقوة ودخل رجل ومعه محامين ورجال أمن. المالك الجديد. بصلنا بنظرة احتقار ورما عقد الشراء الموثق على الطاولة وقال بصوت جهوري: “أنا استلمت الشقة ورسمياً بقيت مالكها. قدامكم عشر دقايق الشنط دي كلها تكون في الشارع.”

أمي صرخت وإخواتي بقوا يشيلوا الكراتين ويهربوا بيها على السلم زي الفئران، وأنا واقف في نص الصالة، مش شايف غير ملامح مراتي الباردة وهي بتاخد شنطتها الجلد وتلبس نظارتها.

قبل ما تخرج من الباب، اتلفتت لي وقالت بصوت واطي: “كنت بتقولي ‘محدش يعرف عمره’.. وأنا فعلاً أمنت نفسي للزمن، وشفت هدفي بعيد عنك. الشنطة دي فيها هدومك الشخصية رامياها لك عند البواب.. ورقة طلاقك هتوصلك على عنوان أمك اللي هتروح تنام عندها النهاردة.”

مشيت وسابتني.. سابتني واقف وسط صالة فاضية، المالك الجديد بيزقني برة الباب ويقفل الكالون في وشي، وإخواتي وأمي قاعدين على شنط الهدوم في مدخل العمارة تحت عيون الجيران.

مسكت تليفوني بإيد بترتعش وحاولت أتصل بأبو العروسة الجديدة، لكن أول ما التليفون فتح، سمعت صوت أبوها بيصرخ فيا وبيغلق الخط في وشي ويعملي حظر.

وقفت في الشارع وسط الشنط، جيب فاضي، مفيش سقف يحميني، خطيبتي ضاعت، ومراتي طارت بفلوسها وكرامتها وأخدت حقها بالكامل.. وكنت فاكر إني أذكى منها، لحد ما اكتشفت إني خسرت كل حاجة في لحظة واحدة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

فتحت الخط بإيد بترتعش، وصوتي طالع بالعافية من هول الصدمة: “ألو.. مين معايا؟” جاءني صوت رجل جاد وصارم، نبرته ما بترحمش: “أنت الأستاذ فلان؟ معاك النقيب محمد من قسم الشرطة. طليقتك الأستاذة حضرت هنا من ساعة ومعاها المحامي بتاعها، وقدمت بلاغ رسمي بتهمة تبديد منقولات زوجية وشيكات بدون رصيد، بالإضافة لمستندات بتثبت إنك استوليت على مبالغ مالية منها بطرق غير قانونية. صدر ضدك ضبط وإحضار فوراً، ولو ما جيتش بنفسك تسلم نفسك خلال نص ساعة، قوة من المباحث هتنزل تجيبك من العنوان اللي أنت فيه.”

الخط اتأفل في وشي، والصوت بقى يتردد في ودني زي الجرس اللي بيعلن نهايتي. التليفون وقع من إيدي على الأسفلت واتكسرت شاشته، زي ما حياتي كلها اتكسرت في لحظة.

بصيت حوالييا، المشهد كان يهد أعتى الرجال. أمي قاعدة على كرتونة قديمة في شارع العمارة، حاطة إيديها على خدها وبتعيط بكسرة، وإخواتي البنات بيتخانقوا مع بعض وبيرموا التهم على بعض، وعيالهم صوت صرخهم مالئ الشارع، والجيران مطلعين رؤوسهم من البلكونات يتفرجوا علينا كأننا مسرحية. أنا اللي كنت ماشي في المنطقة دي مرفوع الرأس، صاحب كلمة وهيئة، بقيت مسخرة الشارع والكل بيأشر عليا بصباعه.

أمي أول ما شافت منظري ونظرة الرعب في عيني، قامت تقف بالعافية وهي بتتسند على اختي: “في إيه يا ابني؟ مين اللي كان بيكلمك؟ وشك أصفر كدة ليه يا حبيبي؟”

رديت عليها بصوت طالع من قاع البئر، صوت مكسور ميهوش أي نبرة رجولة: “الشرطة يا أمي.. طلباني بالاسم. البلاغ نزل، وتبديد عفش وشيكات.. هتحبس!”

أمي صرخت ولطمت على خدودها: “يا لهوي يا فضيحتنا! هتحبس يا ابني؟! طب والعمل؟ اتصل بأميرتك الجديدة.. اتصل بأبوها يلحقك أو يدفعلك كفالة! أنت مش جيبتلهم دهب وألماظ بآلاف؟ خليهم يقفوا جمبك!”

ضحكت ضحكة هستيرية، ضحكة واحد أدرك إنه بقى تحت السفرة خلاص: “عروسة إيه وأميرة إيه يا أمي؟! العروسة أبوها رفضني وقفل السكة في وشي وعملي حظر، والدهب اللي حيلتي كله راح، ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيرضى يبص في وشي دلوقتي! كل ده بسبب فكرتك.. وبسبب طمعي وعنادي!”

إخواتي أول ما سمعوا كلمة “شرطة” و”حبس”، ملامحهم اتغيرت في ثانية. الشفقة اللي كانت في عيونهم تحولت لخوف ورغبة في النجاة بأنفسهم. واحدة منهم شالت شنطتها وقالت ببرود: “أنا ماشية يا أخويا، جوزي مستنيني وما ينفعش أتورط في قضايا ومباحث.” والثانية سحبت عيالها وراها وقالت: “وأنا كمان مش هقعد في الشارع، هروح لبيت جوزي قبل ما الدنيا تظلم.”

سابوا أمهم الواقفة على رجل واحدة وسابوني أنا اللي كنت فاكر إنهم سندي، ومشيوا يجروا خطاويهم كأننا وباء خايفين يتعدوا منه.

بقيت أنا وأمي بس.. واقفين وسط كراتين وشنط هدوم متبهدلة في نص الشارع. الشمس كانت بتغرب، والنور بانسحب من الدنيا زي ما الأمل انسحب من قلبي.

أمي قعدت على الأرض تبكي وتندب حظها، وأنا مسكت الشنطة اللي مراتي رمتها لي عند البواب، وسحبتها بإيد مهدودة. رجلي كانت تقيلة كأنها مربوطة بسلاسل حديد، وأنا ماشي في اتجاه قسم الشرطة عشان أسلم نفسي، لأن الهرب مش هيفيد، ومفيش مكان أستخبى فيه ولا قرش في جيبي أدفع بيه أجرة تاكسي.

طول الطريق وأنا ماشي على رجلي، شريط حياتي كان بيمر قدام عيني. افتكرت لما كانت بتمسح وتطبخ وتخدم، وأنا بقعد بكل برود أراقبها وأتمنى كسرتها. افتكرت لما كانت بتقولي “القرشين دول شايلهم للزمن”، وأنا أرد بقسوة. اكتشفت إنها كانت أذكى مني بألف مرة، ردتلي الصاع صاعين، وأخدت حقها وتارها، وسابتني لا طالت عروسة جديدة، ولا حافظت على بيتي، ولا حتى ملكت حريتي.

وصلت باب القسم، الوقفة قدام اللوحة الرخام السوداء كانت بتموتني في اليوم ألف مرة. أخدت نفس عميق ودخلت، وسلمت نفسي للأمين اللي على الباب.

وبعد ساعات من التحقيق، انقفل الباب الصاج المصدّي عليا وعلى المساجين، ولقيت نفسي قاعد في زاوية ضيقة على الأرض الباردة، وسط ريحة المكان والظلمة.

قعدت أحضن رجلي لصدري وأبكي بحرقة.. دموع ندم ملهوش أي قيمة دلوقتي. وفي وسط الظلمة دي، سمعت صوت العسكري ينادي من وراء القضبان بصوت عالي: “المتهم فلان.. اطلع، في زيارة مستنياك برة!”

رفعت رأسي بذهول.. مين ممكن يجيلي في وقت زي ده؟ أمي اللي حيلتها مكسورة؟ ولا المحامي؟ ولا في صدمة جديدة مستناني برة؟

قمت من على الأرض الباردة بالعافية، رجليا كانت بتخبط في بعضها. مشيت ورا العسكري وأنا عقلي بينبض بالأسئلة.. مين اللي ممكن يفتكرني أو يجيلي في القاع ده؟

طلعت لغرفة الزيارات الضيقة. وقفت ورا السلك المشبك الضيق، ولما عيني وقعت على اللي واقفة الناحية الثانية، حسيت بضربة في قلبي طيرت النفس من صدري.

كانت هي.. مراتي!

كانت واقفة بكل أناقتها، لابسة أسود، حاطة إيد في جيب جاكيتتها، وإيدها الثانية ماسكة نظارتها. ملامحها كانت هادية جداً، مفيش فيها أي أثر للغضب ولا حتى الانتقام.. كان في عيونها شيء أصعب بكثير: نظرة “لا مبالاة”. نظرة كأنها بتبص لشيء ملوش أي قيمة ولا يعنيلها أي حاجة في الدنيا.

مسكت السلك بإيديا الاثنين وناديت بصوت مخنوق ودموعي نازلة مغرقة وشي: “أنتِ؟ جيتي ليه يا بنت الناس؟ جيتي تشمتي فيا؟ جيتي تشوفيني وأنا في السجن بعد ما أخدتي كل حاجة ودمرتيني؟”

قربت خطوات من السلك، وبصت لإيديا المتكلبشة بنظرة باردة وقالت بصوت هادي: “أنا ما أخدتش حاجة مش بتاعتي.. أنا أخدت حقي وحق كرامتي اللي حاولت تدوس عليها، وحق تعب السنين اللي ضيعته وأنت قاعد تتفرج عليا وتخطط إزاي تظلمني عشان تتجوز غيري.”

سكتت لحظة، ونزلت نظارتها على عيونها وقالت: “أنا مش جاية أعدل عليك ولا أشمت.. الشماتة دي للصغار، وأنا أكبر بكثير من إني أضيع دقيقة من عمري أشمات في شخص دمر نفسه بنفسه. أنا جاية أرفع عنك الحرج وأحط النقط على الحروف.”

طلعت من شنطتها ورقة وقلم ورصتهم على الطاولة الفاصلة بيننا: “دي تنازلات رسمية.. إقرار منك بإبرائي من كل مستحقاتك، وتنازل عن أي دعاوى أو بلاغات ممكن تفكر ترفعها، وموافقات كتابية على الطلاق والإبراء التام. توقع هنا.. ودلوقتي.”

صرخت بصوت مكتوم: “أتوقع؟! أتوقع على إيه؟ أنتِ حبستيني، وبعتي بيتي، وفضحتيني قدام الجيران، وضيّعتي تحويشة عمري، ورميتِ أمي وإخواتي في الشارع! عايزاني أوقع على تنازل عن بقية حياتي؟ أومال هطلع إزاي؟ هعيش إزاي؟!”

ابتسمت ابتسامة هادئة وسحبت الأوراق خطوة لوراء: “تطلع؟ مين قال إنك هتطلع لو ما وقّعتش؟ الشيكات وقائمة المنقولات اللي رفعتهم كفيلين يلبسوك أحكام طويلة. سنين من عمرك هتقضيها هنا، وفي الآخر برضه هطلق منك بالقانون وساعتها مش هتنول مليم ولا هتطال حريتك.”

كملت بصوت قاسي هز جدران الأوضة: “لكن لو وقّعت.. أنا هتنازل عن القضايا الجنائية والشيكات، وهسيبك تطلع بشرفك المتبقي وبدومك اللي في الشنطة. تطلع تبدأ من الصفر، تدوب تلاقي لقمة تأكلها وتدور على حيطة تداري فيها أمك. الاختيار ليك..”

بصيت للورق، وبعدين بصيت للحديد اللي في إيدي. سحبت القلم بإيد بترتعش، والدموع بتنزل على الورق، ووقّعت.. اسمي اتكتب تحت كل بند بيمحي وجودي وبيثبت انتصارها الكامل عليا.

أخدت الورق ورصته في شنطتها ببرود، وقفت وعدلت جاكيتتها، وقبل ما تلف وتديني ضهرها، اتلفتتلي وقالت جملة واحدة خلت قلبي يقف: “أنا تنازلت عن الشيكات بس يا فلان.. لكن المحامي بلغني إن في مفاجأة ثانية مستنياك أول ما تخرج من الباب، مفاجأة أبو العروسة!”

سابتني ومشت.. وأنا واقف مش فاهم، الرعب أكل قلبي. وما كادتش تمر ساعة، لحد ما العسكري فتح الباب وقال: “المتهم فلان.. الإفراج نزل، انزل استلم حاجتك برة.”

نزلت ودموعي مغرقة وشي، استلمت ساعتي وتليفوني المكسور والشنطة. خرجت من باب القسم وأنا حاسس إني بطلع من القبر، الهواء كان بارد والشمس غابت تماماً.

لكن أول ما خطيت خطوة واحدة برة بوابات القسم، لقيت عربية سوداء واقفة، ونزل منها أبو العروسة الجديدة ومعاه أشخاص آخرون.

قرب عليا وقال بصوت حازم: “فاكر إنك لما تطلق وتهرب هتاكل عليا حق الهدايا والدهب اللي دبستنا فيه وفضحتنا قدام الناس؟ الفلوس اللي دفعتها والكرامة اللي دست عليها هتدفع تمنها غالي قوي النهاردة!”

تراجعت خطوات لوراء والشنطة وقعت من إيدي، ظهري خبط في سور القسم، ورجليا مش قادرة تشيلني.

قرب أبوها مني لحد ما بقيت في مواجهته، وقال بصوت جهوري: “دهب إيه يا نصاب؟! مراتك أخت زوجتك السابقة بعتتلنا الفواتير والشهادات الرسمية اللي بتثبت إن الدهب اللي جيبه كان مغشوش، اشتريته بفلوس القرض اللي سحبته باسمها! وفوق كل ده، فواتير الألماظ طلعت مجرد إكسسوارات رخيصة جيبتها من محل ألعاب عشان تضحك علينا!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى