
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. دهب مغشوش؟!
افتكرت في لحظة اليوم اللي أخدت فيه الفلوس ونزلت أشتري الشبكة والهدايا! أنا ما شفتش الفواتير وقتها، المحل كان معارف صديق لي، وهو اللي جهزلي العلب بالفواتير، وأنا عملت فيها ناصح واشتريت من غير ما أفحص أو أتأكد عشان أستوفر قرشين! مراتي كانت كاشفة اللعبة من أول دقيقة، سابتني أقع في شر أعمالي!
كمل أبوها بصوت شديد: “أنا بنتي اسمها اتلوث في المنطقة، والناس بقت بتقول خطبها شخص غير مسئول! حق بنتي وكرامتي مش هسيبهم.. الفلوس اللي اتصرفت على خطوبتك، والتجهيزات، والفضايح دي كلها هتدفعها كاش فوراً، يا إما هتاخد جزاء عملتك!”
حاولت أصرخ أو أنادي على عساكر القسم اللي واقفين على البوابة، لكنهم مسكوني ودخلوني في حارة ضيقة ومظلمة جنب سور القسم، بعيد عن عيون الناس، ولقيت نفسي محاصراً بسبب أفعالي وطمعي.
بعد وقت، سابوني ومشوا..
بعد وقت مش عارف قد إيه، خرجت لشارع القسم الرئيسي. مسكت الشنطة المتبهدلة، وبقيت أمشِي في الشارع من غير هدف ولا عنوان. مفيش قرش في جيبي، مفيش تليفون أتصل بيه، ومفيش مكان أروحله.
افتكرت أمي.. يا ترى أمي فين دلوقتي؟ قاعدة في الشارع برضه؟ ولا إخواتي البنات سابوها وطفشوا؟
فضلت أتحرك بخطوات مهدودة لحد ما وصلت للمنطقة اللي فيها شقة أمي القديمة في حي شعبي بعيد. كان النور مقطوع في الشارع، والعمارة القديمة متهالكة. طلعت السلم درجة درجة وأنا بسحب رجلي، ولما وصلت لمدخل الشقة، لقيت الباب مفتوح نص فتحة والنور جوة ضعيف.
دخلت وأنا بنادي بصوت مقطوع: “أمي.. يا أمي.. أنتِ هنا؟”
لكن الصدمة الجديدة كانت مستنياني جوة الأوضة.. الشقة كانت مقلوبة رأس على عقب، والأثاث القديم متكسر، وأمي قاعدة في أرضية الصالة وحاطة رأسها بين إيديها وبتبكي بصوت يقطع القلب.. والسبب مش بس الفضيحة، السبب كان ورقة رسمية محطوطة على الطاولة قدامها، ومحضر شرطة!
أمي رفعت رأسها ولما شافت منظري والدم المغطي وشي، صرخت ولطمت: “يا لهوي يا ابني! عملوا فيك إيه؟! مين اللي ضربك كدة؟!”
وقعت على الكرسي وأنا بنهج وسألتها: “إيه الورقة دي يا أمي؟ في إيه ثاني حصل؟”
أمي قالت وهي بتبكي بهيستيريا: “إخواتك البنات يا ابني.. أول ما مشيوا من الشارع، جوم هنا وكسروا القفل، وأخدوا دهب أمك وتحويشة العمر اللي كنت شاياها للزمن، وكتبوا الشقة دي باسمهم بعقد بيع قديم كانوا مخليني أوقع عليه وأنا مش دريانة! وطردوني وقالولي مالكيش مكان معانا بعد الفضيحة اللي عملتيها أنتِ وابنك!”
بصيت للسقف وأنا بضحك بكسرة ودموعي نازلة مخلطة بالدم: “إخواتي؟ إخواتي اللي طردت مراتي عشانهم؟ اللي دخلتهم بيتي يعيشوا ويكسروا في كرامتها؟ أخدوا فلوسك وطردوكي؟”
قعدت في الأرض جنب أمي، إحنا الاثنين مكسورين، مفيش حيلة ولا مأوى ولا قرش، وكل اللي حوالينا أتخلوا عنا بنفس القسوة اللي عاملنا بيها غيرنا.
وفجأة، الباب الخارجي للعمارة اتخبط بقوة شديدة وصوت حازم طالع على السلم بخطوات سريعة، وكان الصوت جاي من برة الشقة: “افتح يا فلان! المالك الجديد للشقة دي هنا ومعه أمر إخلاء فوراً!”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”الصالة، شفت في عيونهم نظرة خلوني لأول مرة أحس بحجم القرف والندل اللي عملته. أمي اللي كنت مأمل إنها “تزهّق مراتك”، بقيت هي اللي مقهورة ومكسورة ومفلسة، والبيت اللي كنت فاكر إني هبقى فيه “السي السيد” وأفرض سيطرتي، بقيت فيه مجرد كومبارس أتعصر لحد ما أفلست!
ما نمتش ليلتها.. فضلت طول الليل أتقلب على السرير وأنا سامع صوت نفسي ورجفة قلبي. الفجر أذن، قمت لبست هدومي وأنا مش قادر أبص في مراية الشقة.. ولا قادر أبص في عين مراتك اللي كانت نايمة جوة بكل ثبات وهدوء يقتل. طلعت من البيت وهدومي شكلها مبهدل وعيوني زاغية. ركبت المواصلات وأنا بستلف حق التكت من صاحبي في الشغل بكسرة نفس عمر ما راجل يتمناها لنفسه.
وصلت بيت خطيبتي الجديدة.. أبوها فتحلي الباب، وبصلي باستغراب من منظري:— “خير يا معلم؟ مالك جاي في النجمة وكأنك هربان من طار؟”بلعت ريقي بالعافية، وحاولت أجمع أي كذبة صايعة، بس لساني اتلجلج، واللقمة والكرامة كانوا خلاص ممسوحين:— “يا حاج.. أنا جاي أستأذنك أخد الشبكة الدهب والألماظ كام يوم بس..
أصل في حتة أرض معروضة عليا لقطة ومحتاج السيولة دي للتعرية والعربون، وأول ما البيعة تخلص هرد الدهب وزيادة عليه طقم تاني لبنتك.”أبوها بصل بحدية ونظرة شك، وخطيبتي طلعت من جوة ومسكت الشبكة وهي بتعيط ومش راضية تسيبها:— “يعني إيه يا معلم؟ الشبكة دي حقي! أنت بتاخدها مني بعد ما أعلنا وقرينا الفاتحة؟”كنت واقف قدامهم زي العيل الصغير، باصص في الأرض ومش قادر أرفع عيني.
. بين إني أصر على موقفي وآخد الشبكة بالذوق أو العافية، وبين إن مراتك تنفذ تهديدها وتيجي لحد البيت هنا تفضحني وتعرفهم إني شحات، ولا حيلتي شقة تمليك ولا معيا مليم أستر بيه بنتم!أخدت الشبكة والدهب بقلة قيمة، وسط نظرات قرف من أبوها، ودموع خطيبتي اللي حسيت إنها كانت بداية النهاية للفيلم الهابط اللي عشت فيه. سحبت نفسي ورجعت البيت.
. المشوار كله كنت حاسس إن الناس في الشارع شايفين خيبتي. فتحت باب الشقة بالمفتاح.. البيت كان هادي، أمي وإخواتي لموا هدومهم ومشوا من بدري بعد ما ذاقوا المر، والشقة فضيت عليا وعليها. كانت قاعد على سفرة المطبخ، بتشرب القهوة ومستنية. مشيت بخطوات تقيلة، وحطيت علبة الدهب والألماظ على الترابيزة قدامها.— “أدي الشبكة.. الدهب والألماظ كله أهو.. والخطوبة اتفضت خلاص.”رفعت رأسها بالراحة، وبصت للعلبة، وبعدين بصتلي فوق وتحت ببرود يذبح.
ما اتنططتش ولا فرحت، بالعكس.. نظرتها كانت نظرة القاضي اللي حكم بالنفاذ. سحبت العلبة، فتحتها وأتأكدت إن كل قطعة موجودة، وقفت وقالتلي بصوت واطي ومفهوم:— “كده الحساب الأولاني اتقفل يا معلم.. الفلوس والدهب رجعوا مكانهم. لكن عشان تصليح اللي اتكسر جوة البيت ده؟ قدامك مشوار طويل أوي.. وأول خطوة فيه إنك تنسى فكرة الورث دي تماماً، وتبدأ تشتغل وتعرف يعني إيه راجل بيصرف على بيته بحلاله، مش بالنذالة والخسة!
كنا أربعة على السفرة: أنا، وأحمد جوزي، وأخته حنين، وسارة بنت عمه اللي رجعت من السفر من أسب…بعد مو.ت ابويا عمى اخدنى ربانى وكان عنده بنت مكنش بيفرق بينى وبينها فى المعامله وعشان ارد …اللي كنت بقابلها بنفخ وزعيق. تاني يوم، ركبت عربيتي ورحت على بيت حمايا من ورا أهلي. كبريائي…
…إخلاء مسئولية: جميع المقالات والأخبار المنشورة في الموقع مسئول عنها محرريها فقط، وإدارة الموقع رغم سعيها للتأكد من دقة كل المعلومات المنشورة، فهي لا تتحمل أي مسئولية أدبية أو قانونية عما يتم نشره.
سابتني واقف مسمار في المطبخ، ودخلت أوضتها، وأنا بقيت واقف في بيت فاضي، مفلس، ومكسور العين.. وعرفت إن اللي يلعب مع ست أذكى منه، لازم يدفع الثمن غالي ومن كرامه قبل جيبه!عدت الأيام، والشقة بقت زي قبر مقفول عليا.. الهدوء اللي فيها كان أشد وأقسى من كل الدوشة والمواليد اللي عملتها أمي وإخواتي.
بقيت أدخل البيت زي الغريب، أمشي على أطراف صوابعي، خايف أعمل أي صوت أو أفتح بوقي بكلمة. هي ما كانتش بتتخانق، ولا بترفع صوتها، ولا حتى بتكشر في وشي.. كانت بتعاملني ببرود أبرد من التلج، تجيب الأكل وتحطه قدامي بسكوت، وتنضف البيت بسكوت، ولما أطلب حاجة ترد على قد الكلمة بالضبط، ومن غير ما عيونها تتقابل مع عيوني.
الكسرة اللي حسيتها قدام أبو خطيبتي القديمة والدهب اللي أخدته بقلة قيمة كانت لسه بتأكل في قلبي، بس القهرة الأكبر كانت إني حاسس إني صغرت قدام نفسي.. بقيت حاسس إني عيل ملوش كلمة ولا قيمة في بيته. في يوم، قعدت على الكنبة في الصالة بعد ما رجعت من الشغل مهدود، وكانت هي طالعة من المطبخ ومقاطعة السكة.
اديت عليها بصوت واطي ومكسور:— “يا بنت الحلال.. لحد إمتى هنفضل عايشين كدا؟ أنا أهو سمعت الكلام، ورجعت الدهب والشبكة، ونهيت موضوع الجوازة التانية خالص، وأمي وإخواتي مشيوا وما بقاش حد يدخل بيتك.. مش كفاية بقى العقاب ده؟”وقفت مكانها، وبصتلي بنظرة طويلة، خالية تماماً من أي مشاعر.. لا فيها غضب، ولا فيها حزن، ولا حتى شفقة.
قربت خطوات هادية، وقفت قدامي وهي ساندة إيدها على سفرة الصالة، وقالت بنبرة حاسمة:— “عقاب؟ أنت فاكر إن اللي بيحصل ده عقاب يا معلم؟ لأ أنت فاهم غلط.. أنا مش بعاقبك، أنا بس بقيت بتعامل معاك على قد حجمك الجديد عندي. أنت كنت فاكر إنك لما تسلّط عليا أهلك، وتخنقني في بيتي، وتستغفلني عشان تاخد ورثي تجوز بيه واحدة تانية.
. إن كلمة (حقك عليا) أو رجوع الشبكة هيمحوا القرف ده في يوم وليلة؟”سكتت لحظة، ونظرتها كانت بتخترقني زي السكين:— “البيت ده أنا اللي شيلته يوم ما أنت كنت بتفكر إزاي تكسرني.. والفلوس اللي أنت حطيتها في الشبكة والهدايا، لو كنت استثمرتها في بيتك وعيالك كان زمانك في مكان تاني. بس أنت اخترت الخسة، والست لما تجرحها في كرامتها وتستغفلها، جواها حاجة اسمها ثقة.
. والثقة دي لو أتعجنت بمليون جني مش بترجع.”سحبت كرسي وقعدت قدامي، وحطت إيدها على الترابيزة:— “عايز العيشة ترجع؟ يبقى تبدأ من السفر.. تصرف على البيت من عرقك، وتقفل سيرة ورثي دي للأبد، ولا تحلم بقرش منه لو تموت.. وتعرف إنك لو فكرت مجرد تفكير تلعب من ورايا تاني، المرة الجاية مش هتبقى شبكة ولا عزومات.. المرة الجاية هتبقى ورقة طلاقك بيدك، وحق عيالك هتاخده بالقانون والقدم، وساعتها هسيبك للهوا.




