
1 خلف العمليات حكايات اسما السيد 1
قبل ما أتبرع بكُليتي لجوزي بدقايق، الممرضة مدتلي هدوم عمال النظافة وهمستلي: … الناس اللي هنا عايزين يموتوكي.
افتكرتها بتقول كلام مش منطقي من الخوف والتوتر…
لحد ما سمعت عيلتي بنفسها بتتكلم عني وبتقول: البضاعة جاهزة؟
بصيت للممرضة وأنا مش فاهمة، لكنها قربت مني وقالت بصوت مرتعش:
حطت في إيدي بسرعة زيّ رمادي خاص بعمال النظافة.
بره، المطر كان بيخبط علشان أتبرع بكُلية لجوزي.
أو على الأقل…
ده اللي كنت مصدقاه طول الشهرين اللي فاتوا.
كل حاجة بدأت لما جوزي بدأ يخس بطريقة مخيفة.
كان بيرجع كتير، ويغمى عليه، وفي أيام مكنش قادر حتى يقف على رجليه.
الدكتور اللي كان بيتابعه، وكان في نفس الوقت صديق قديم لعيلة جوزي، قالنا الخبر اللي هزني:
— الكُلى عنده وصلت لمرحلة خطيرة جدًا، ولازم زراعة في أسرع وقت.
وقال إن من غير الزراعة، ممكن مايفضلش قدامه وقت طويل.
حماتي انهارت في العياط وهي حضناه.
وأخت جوزي قالت إنها مستعدة تتبرعله بأي حاجة.
الاتنين عملوا التحاليل المطلوبة.
لكن مفيش واحدة فيهم كانت متوافقة معاه.
أنا الوحيدة اللي كنت متوافقة.
الدكتور بص في النتائج وقال:
— نسبة التوافق بينكم عالية جدًا… دي شبه معجزة.
جوزي وقتها رفض.
مسك إيدي وقال:
— أنا أفضل أموت ولا إني أعرّضك للخطر.
حضنته.
كنت بحبه، ومفكرتش حتى مرتين.
قلتله:
— هعمل إيه بصحتي لو إنت مش موجود معايا؟
ومن اليوم اللي مضيت فيه أوراق التبرع…
عيلة جوزي اتغيرت معايا تمامًا.
حماتي جت تقعد معانا.
كانت بتحضرلي الأكل بنفسها، وتتابع الفيتامينات اللي باخدها، وتسألني نمت كام ساعة، وحتى الزيارات كانت بتقللها علشان، زي ما كانت بتقول:
— لازم جسمك يبقى قوي يوم العملية.
أما أخت جوزي، اللي عمرها ما كانت قريبة مني، بدأت تجيبلي فاكهة غالية وهدوم نوم جديدة.
وأنا؟
افتكرت إنهم أخيرًا حبوني.
ليلة العملية، جوزي وصل على كرسي متحرك.
وشه كان شاحب…
لكن كان فيه حاجة غريبة في عينيه.
مكنش باين عليه الخوف وبس.
كان متوتر بطريقة خلت قلبي يقبض.
مسك إيدي وقال:
— بعد العملية دي هنبدأ حياة جديدة. هسفرك أي مكان نفسك فيه، وهجيبلك البيت اللي طول عمرك بتحلمي بيه.
حماتي قربت مني، مسحت على خدي وقالت:
— إنتِ الملاك اللي أنقذ عيلتنا.
بعدها بحوالي ربع ساعة…
الممرضة دخلت أوضتي لوحدها.
قفلت الباب بالمفتاح.
وبعدين طلعت هدوم عمال النظافة وحطتها في إيدي.
قالت وهي :
— جوزك مش عنده .
بصيتلها بصدمة.
— إيه؟
قالت:
— التحاليل بتاعته مزورة.
حسيت إن الأوضة كلها بتلف بيا.
قلت:
— مستحيل… أنا شوفت التحاليل بنفسي.
ردت بسرعة:
— الدكتور هو اللي جهز كل حاجة. اسمعيني كويس… هما مش محتاجين كُليتك.
سكتت ثانية، وبعدين قالت الجملة اللي جمدت الدم في عروقي:
— فيه ناس مستنية قلبك.
شهقت وأنا ببصلها.
كملت:
— هيخدروكي، وبعدها هيقولوا إن حصلتلك مضاعفات أثناء العملية… وعيلتك هتوافق بسرعة على الإجراءات اللي بعدها.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
سألتها:
— عيلتي؟!
عينيها اتمَلوا دموع.
قالت:
— جوزك… وأمه… وأخته. كلهم عارفين.
بصيت للهدوم اللي في إيدي.
وبعدين بصيت للإسورة اللي عليها بياناتي.
شهرين من التحاليل.
شهرين من الاهتمام الزايد.
شهرين وأنا بسمع جوزي بيقولي إني الشخص الوحيد اللي يقدر ينقذه.
وفجأة…
كل حاجة بقى ليها معنى تاني مرعب.
في اللحظة دي، سمعت صوت جوزي جاي من الممر:
— هي جاهزة؟
اتجمدت.
الصوت اللي سمعته مكنش صوت راجل مريض ولا ضعيف.
كان صوته قوي…
ومتوتر.
الممرضة طفت النور فورًا.
مسكتني من دراعي وقالت:
— مفيش وقت… البسي بسرعة.
بدأت أغير هدومي وإيدي بتترعش.
وفجأة سمعنا خطوات بتقرب من الباب.
وبعدين صوت حماتي من بره:
— خلصوا بسرعة… الناس مستنية البضاعة.
وقتها بس فهمت الحقيقة.
أنا مكنتش داخلة المستشفى علشان أنقذ جوزي…
أنا كنت البضاعة.
الممرضة فتحت باب خدمة صغير في آخر الأوضة، وزقتني ناحيته وهي بتهمس:
— اجري… ومهما سمعتي وراكي، ماتلفيش.
خرجت للممر الضيق وأنا لابسة هدوم عاملة نظافة، وقلبي بيخبط بعنف.
لكن قبل ما أوصل لنهاية الممر…
سمعت صوت جوزي بيصرخ من ورايا:
— اقفلوا كل المخارج!
وفي اللحظة دي عرفت إن الهروب من المستشفى…
كان مجرد بداية.
──────────────────────
الفصل الأول — الممر رقم 7
— اقفلوا كل المخارج!
صوت جوزي دوّى في الممر ورايا، قوي وواضح لدرجة خلت رجلي تتجمد للحظة.
الصوت ده لوحده كان كفاية يهد كل كذبة صدقتها خلال الشهرين اللي فاتوا.
فين الراجل المريض اللي كان محتاج حد يسنده علشان يقوم من ؟
فين النفس ؟
فين الضعف اللي كان بيظهر عليه كل ما الدكتور يدخل علينا؟
الراجل اللي بيصرخ دلوقتي وبيأمر الأمن يقفل المستشفى ماكانش باين عليه مريض أصلًا.
كان باين عليه راجل اكتشف إن خطته بتضيع منه.
سمعت الممرضة من ورايا بتهمس بعصبية:
— ماتوقفيش! كملي!
جريت.
هدوم عاملة النظافة كانت واسعة عليا، والبنطلون بيقع من على وسطي، والجزمة البلاستيك اللي ادتهالي كانت أكبر من مقاسي.
لكن مكنتش حاسة بأي حاجة.
لا بالمطر اللي صوته بيزيد.
ولا ببرودة الممر.
ولا حتى بالألم في إيدي من مكان الإبرة اللي الممرضة شالتها بسرعة قبل ما تهربني.
كل اللي كنت سامعاه صوت واحد جوا دماغي:
البضاعة جاهزة؟
حماتي قالتها.
الست اللي كانت بتعمللي شوربة بإيديها.
الست اللي كانت بتقولي:
— إنتِ مش مرات ابني بس… إنتِ بنتي.
كنت بالنسبة لها بضاعة.
وصلت عند نهاية الممر.
لقيت باب معدن قدامي مكتوب عليه:
خدمات — ممنوع الدخول
مديت إيدي على المقبض.
مقفول.
شدّيته مرة.
اتنين.
مفيش فايدة.
لفيت للممرضة بخوف:
— مقفول!
جريت ناحيتي.
طلعت كارت صغير من جيبها، مررته على الجهاز اللي جنب الباب.
نور أخضر ظهر.
الباب اتفتح.
قالت:
— انزلي السلم لحد الدور الأرضي. هتلاقي مخزن غسيل. ادخلي منه، وفي آخره باب تحميل بيطلع على الشارع الخلفي.
مسكت إيدها قبل ما تمشي.
— وإنتِ؟
بصت وراها.
الأصوات كانت بتقرب.
قالت:
— أنا هرجع.
— ترجعي فين؟!
— لو اختفينا إحنا الاتنين دلوقتي، هيعرفوا إني ساعدتك.
— ما ترجعيش! تعالي معايا!
لأول مرة، شفت في عينيها حاجة أغرب من الخوف.
حزن.
قالت:
— مقدرش.
— ليه؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— لأن ابني جوه.
بصيتلها وأنا مش فاهمة.
لكن قبل ما أسأل، صوت خطوات جري ظهر من آخر الممر.
زقتني ناحية السلم.
— انزلي!
دخلت وأقفلت الباب ورايا.
بدأت أجري على السلالم.
دور.
واتنين.
وتلاتة.
وكل ما أنزل، كنت بسمع أصوات فوقيا.
2
خلف غرفة العمليات حكايات اسما السيد 1
رجالة بيتكلموا في أجهزة لاسلكي.
— فتشوا جناح العمليات.
— راجعوا المصاعد.
— محدش يخرج من بوابة الموظفين.
وبعدين سمعت صوت جوزي.
قريب.
قريب جدًا.
— دوروا عليها في كل مكان. لابسة زي عمال النظافة.
حطيت إيدي على بوقي علشان أمنع صوت نفسي.
دخلت من باب الدور الأرضي.
لقيت نفسي في ممر طويل مليان عربيات غسيل، ملايات بيضا، وصناديق منظفات.
في آخره كان فيه عامل كبير في السن بيزق عربية.
أول ما شافني وقف.
قلبي وقع.
بصلي من فوق لتحت.
وبعدين قال:
— إنتِ جديدة؟
هزيت راسي بسرعة.
— أيوه.
— تبع أنهي وردية؟
لساني اتعقد.
قبل ما أرد، صوت جهاز لاسلكي كان معاه اشتغل.
— تنبيه لكل العاملين… ممنوع خروج أي موظف من المستشفى حتى إشعار آخر.
العامل بص للجهاز.
وبعدين بصلي.
— حصل إيه؟
قلت وأنا بحاول أثبت صوتي:
— معرفش.




