قصص و روايات

سندوتش برجر

 

4

سندويتش برجر

 

طفل.

مش شاهد.

مش ضحية.

مش رقم في ملف قضية.

طفل وبس.

مرت سنة.

وفي يوم عيد ميلاد عمر العاشر، حسام رجع البيت بدري.

لقى ياسين مستخبي ورا الستارة.

وعمر واقف في النص.

أول ما حسام دخل، الاتنين صرخوا

مفاجأة!

حسام ضحك.

إيه ده؟

عمر جري عليه.

في إيده هدية صغيرة.

دي ليك.

حسام فتحها.

ساعة بسيطة.

إيه دي؟

عمر قال

عشان كل مرة تقول لي الوقت، تفتكرني.

حسام ضحك.

وبعدين حضنه.

أنا مش محتاج ساعة عشان أفتكرك.

عمر قال

بس أنا محتاج أقول لك حاجة.

قول.

فاكر اليوم اللي لقيتني فيه؟

حسام سكت.

أيوه.

أنا يومها كنت فاكر إن كل الناس وحشة.

حسام عينه لمعت.

عمر كمل

كنت فاكر إن مفيش حد هيشوفني.

وبعدين؟

بعدين شوفت ياسين.

حسام ابتسم.

عمر قال

هو أول واحد شافني.

ياسين من بعيد قال

أيوه طبعًا.

الكل ضحك.

لكن عمر قرب من حسام وقال

إنت عارف أكتر حاجة أنا فاكرها؟

إيه؟

لما قلت لي تعالى كل معانا.

حسام سكت.

عمر قال

إنت ماقلتليش تعالى عشان أنت شفقة عليا.

ولا عشان كنت عايز تبقى بطل.

أيوه.

إنت بس كنت شايفني جعان.

حسام هز راسه.

بالظبط.

عمر ابتسم.

أنا نفسي أبقى زيك لما أكبر.

حسام قال

لأ.

عمر اتفاجئ.

ليه؟

حسام حط إيده على كتفه.

ابقى أحسن مني.

عمر ضحك.

هحاول.

مرت سنتين.

عمر كبر.

بقى عنده اتناشر سنة.

بقى بيلعب كورة.

درجاته اتحسنت.

وبقى بيقرأ كتير.

وكان عنده حلم جديد.

يبقى مهندس.

وفي يوم، كان واقف مع حسام قدام مطعم في وسط البلد.

نفس المطعم.

نفس الشباك.

نفس الترابيزة اللي قعد عليها أول مرة.

عمر بص للشارع.

وقال

بابا؟

حسام ابتسم.

نعم؟

إنت فاكر الولد اللي كان قاعد هنا؟

أيوه.

كان أنا.

حسام قال

أيوه.

عمر ضحك.

أنا لحد دلوقتي مش فاهم إزاي قدرت تدخلني المطعم.

ليه؟

كنت خايف.

من إيه؟

من الناس.

حسام سكت.

عمر كمل

كنت فاكر إنهم هيطردوني.

حسام قال

بس محدش طردك.

عشان إنت كنت واقف.

 

حسام بص له.

عمر قال

أنا عايز أعمل حاجة.

إيه؟

كل يوم جمعة، نجيب أكل ونوزعه على الأطفال اللي في الشارع.

حسام ابتسم.

نعملها.

بجد؟

بجد.

ومن يومها بدأوا.

مش مؤسسة كبيرة.

ولا حملة.

ولا تصوير.

ولا كلام كتير.

كل جمعة، حسام وياسين وعمر كانوا يجهزوا أكل.

وكان عمر دايمًا يصر إنه هو اللي يسلمه.

ولو طفل رفض ياخده، ماكانش يجبره.

كان يقعد على بعد خطوتين.

ويقول

لو جعان، أنا هنا.

نفس الجملة اللي اتقالت له من سنين.

وبعد شهور، بقى فيه أطفال كتير يعرفوه.

مش عشان هو غني.

ولا عشان أبوه عنده فلوس.

لكن عشان كان بيكلمهم كأنه واحد منهم.

وفي مرة، ولد صغير كان واقف بعيد.

نحيف.

هدومه متبهدلة.

وعمال يبص على الأكل.

عمر قرب منه.

إزيك؟

الولد ما ردش.

عمر قال

اسمك إيه؟

الولد سكت.

عمر ابتسم.

أنا عمر.

الولد بص له.

عمر مد له علبة أكل.

دي ليك.

الولد أخدها.

وقعد.

وبعد أول لقمة، رفع عينه.

إنت بتعمل كده ليه؟

عمر ابتسم.

وبص لحسام الواقف بعيد.

وبعدين رجع بص للولد.

وقال

علشان إنت جعان.

وسكت لحظة.

وبعدين أضاف

ومحدش المفروض يبقى جعان والناس حواليه بتاكل.

الولد فضل باصص له.

وعمر قعد جنبه.

من غير شفقة.

من غير تصوير.

من غير ما يسأله ليه وصل لكده.

بس قعد.

لأن عمر كان فاكر كويس جدًا إحساس الطفل اللي الناس بتعدي من جنبه كأنه مش موجود.

وكان عارف إن ساعات…

كل اللي الإنسان محتاجه…

إن حد واحد بس يشوفه.

حد يقف.

حد يقول له

تعالى.

وفي آخر اليوم، حسام كان واقف بيتفرج عليهم.

ياسين جنبه.

قال

بابا.

نعم؟

إنت فاكر أول يوم؟

حسام ابتسم.

عمري ما هنساه.

ياسين قال

أنا كمان.

وبص لعمر.

بس أنا ساعتها ماكنتش فاهم إن الموضوع هيبقى كبير كده.

حسام قال

ولا أنا.

ياسين ضحك.

لو كنت عارف، كنت كملت أكل البرجر.

حسام ضحك.

أنت ماوقفتش أكل أصلًا.

ما هو عمر كان بياكل من الزبالة.

سكتوا لحظة.

وبعدين ياسين قال

بابا؟

نعم؟

إنت شايف إننا غيرنا حياته؟

حسام بص لعمر.

يمكن.

وبعدين قال

بس أنا شايف إنه هو اللي غير حياتنا.

ياسين بص له باستغراب.

حسام كمل

إحنا كنا فاكرين إننا خرجنا نساعد طفل.

لكن الحقيقة…

بص لعمر.

إن طفل صغير هو اللي علّمنا إن الإنسان ممكن يبقى فقير في الفلوس، لكن عمره ما يبقى قليل القيمة.

وسكت.

الشارع حواليهم كان مليان ناس.

عربيات.

محلات.

أصوات.

ناس مستعجلة.

وناس مشغولة.

 

وناس بتبص في موبايلاتها.

لكن وسط كل الزحمة دي…

كان فيه طفل صغير بيضحك.

وطفل تاني بيديله كيس أكل.

ورجل واقف بعيد بيتفرج.

واللحظة دي ذكّرت حسام بأول مرة شاف فيها عمر.

ولد عنده تسع سنين.

قاعد جنب صندوق زبالة.

بياكل نص برجر مرمي.

والدنيا كلها كانت ماشية حواليه.

إلا إن ولد واحد بس…

وقف أكله.

وبص من ورا إزاز المطعم.

وشافه.

وأحيانًا، الحياة كلها بتتغير…

مش بفلوس.

ولا بميراث.

ولا بصدفة ضخمة.

أحيانًا بتتغير بسبب طفل صغير…

قرر إنه ماينفعش يعمل نفسه مش شايف.

وده كان بالظبط اللي حصل.

عمر ماكانش محتاج حد ينقذه في اللحظة دي بس.

كان محتاج حد يصدّق إن له مكان في الدنيا.

وحسام ماادّاهوش صدقة.

ادّاله فرصة.

وياسين ماادّاهوش شفقة.

ادّاله صداقة.

ونادية مااعتبرتوش غريب.

فتحَت له باب بيتها.

وطارق، رغم خوفه وعجزه، فضل يحارب عشانه.

وفي الآخر، عمر ماطلعش مجرد طفل اتنقذ من الشارع.

عمر بقى السبب إن ناس كتير بدأت تشوف أطفال تانية.

أطفال كانوا موجودين طول الوقت.

بس محدش كان واقف يبصلهم.

وفي آخر مرة رجع فيها عمر للمطعم، وقف قدام نفس الشباك.

بص للمكان اللي كان قاعد فيه زمان.

 

وسكت.

ياسين وقف جنبه.

بتفكر في إيه؟

عمر قال

في الولد اللي كنت عليه.

وحش؟

لأ.

ابتسم.

كان محتاج حد بس.

ياسين حط إيده على كتفه.

وهو لقى.

عمر بص له.

أيوه.

مين؟

عمر ضحك.

أنت.

ياسين قال

وأبوك.

عمر بص ناحية حسام.

وأبويا.

وبعدين مشيوا.

لكن قبل ما يخرج من المطعم، عمر وقف.

رجع للكاشير.

وحط فلوس.

العامل قال

إيه ده؟

عمر قال

فيه طفل ممكن يدخل هنا النهارده ومايبقاش معاه فلوس.

لو حصل، أكلوه.

العامل بص له باستغراب.

على حساب مين؟

عمر ابتسم.

على حسابي.

ومشي.

وفي اللحظة دي، حسام فهم إن الدائرة اكتملت.

من سنين…

كان عمر طفل فقير دخل مطعم لأول مرة لأنه حد قرر يدفع له وجبة.

والنهارده…

عمر نفسه بقى الشخص اللي بيدفع وجبة لطفل تاني.

مش عشان يفضل مدين لحد.

لكن عشان يكسر السلسلة.

سلسلة الجوع.

وسلسلة الخوف.

وسلسلة الناس اللي بتعدّي من جنب بعض…

وتعمل نفسها مش شايفة.

ومن يومها، عمر كان دايمًا يقول جملة واحدة لأي حد يسأله

أنا مااتنقذتش يوم ما أكلت وجبة.

أنا اتنقذت يوم ما حد شافني.

وكان عنده حق.

لأن في الدنيا أطفال كتير ممكن يكونوا محتاجين أكتر من الأكل.

ممكن يكونوا محتاجين صوت.

أمان.

حضن.

فرصة.

أو مجرد إنسان واحد يبص في عينيهم ويقول

أنا شايفك.

وعمر…

لما كبر…

قرر يبقى هو الشخص ده.

كل مرة.

لأي طفل.

لحد ما بقى اسمه مرتبط بحاجة أكبر من قصة ولد كان بياكل من الزبالة.

بقى مرتبط بدرس عمره ما نسيه

الإنسان مش بيقاس بالهدوم اللي لابسها، ولا بالبيت اللي عايش فيه، ولا بالأكل اللي بيحطه قدامه.

الإنسان بيتقاس باللحظة اللي يقدر فيها يشوف وجع غيره… ويقرر مايمشيش.

وده كان كل اللي حصل.

ولد عنده تسع سنين شاف ولد تاني جعان.

وقف أكله.

ونادى أبوه.

ومن اللحظة دي.

..

اتغيرت حياة اتنين.

وبعدين تلاتة.

وبعدين عيلة كاملة.

وبعدين أطفال كتير.

وكل ده…

بدأ من نص ساندوتش برجر مرمي في الزبالة.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى