روايات وقصص

لما ابننا بالتبني

— يعني خالد مش الأب، ومحمود مش الأب، ونبيل هو الأب؟

سامح قال:

— لسه مش بالبساطة دي.

لفيت له:

— إيه اللي مش بالبساطة دي؟

قال:

— لأن فيه تحليل نسب موجود في الصندوق.

فتحت الملف بسرعة. طلعت ورقة مختبر قديمة. الاسم الأول: يوسف. الاسم الثاني: نبيل الشامي. والنتيجة: لا توجد مطابقة بيولوجية.

شهقت:

— يبقى نبيل مش أبوه!

سامح هز راسه:

— أيوه.

— أمال ليه كان عايز يوسف؟

فؤاد بص للباب:

— لأن يوسف مش ابنه.

وسكت. صوت خطوات بدأ يقترب من آخر الممر. خطوة. ثم خطوة. ثم خطوة.

سامح همس:

— الشخص اللي إحنا بندور عليه وصل.

الشرطي رفع سلاحه. الباب الحديدي اتفتح ببطء. والرجل اللي دخل… ماكانش نبيل. كان رجل ماشفتهوش قبل كده. وفي إيده صورة قديمة جدًا. بص لي وقال:

— أنا الوحيد اللي يقدر يقولك يوسف ابن مين فعلًا.

ثم حط الصورة قدامي. وأول ما شفت الشخص اللي واقف جنب أم يوسف فيها… عرفته. لأن ملامحه كانت نسخة مني تقريبًا.

الرجل أشار للصورة وقال:

— ده أخوكي.

وقفت مكاني وأنا باصة للصورة. أخويا؟

الرجل هز راسه:

— أيوه، أخوكي من أبوكي.

حسيت إن الدنيا بتلف بيا. جوزي سندني، والشرطي قرب من الرجل:

— اسمك إيه؟

— فؤاد يعرفني.

بصيت لفؤاد:

— إنت تعرفه؟

فؤاد نزل عينه:

— اسمه ياسر.

ياسر حط الصورة على الترابيزة:

— أنا كنت شريك محمود في كل اللي حصل.

— وأخويا؟

— مات من سنين.

— أمال ليه قلت إنه أخويا؟

— لأن اللي في الصورة أخوكي فعلًا، لكنه مش الشخص اللي يوسف ابنه.

بصيت له بعدم فهم:

— أمال إيه علاقة الصورة بيوسف؟

ياسر فتح ملف صغير كان معاه:

— لأن والد يوسف الحقيقي كان أخوكي.

سكتنا كلنا. فتح أول ورقة. كان فيها تحليل نسب قديم بين يوسف والرجل اللي في الصورة. مطابقة بيولوجية.

يوسف كان حفيد أخويا. يعني يوسف كان ابن أخويا. مش ابن نبيل. ومش ابن محمود. ومش ابن خالد.

لكن السؤال الأصعب فضل موجود: ليه كل الناس دي أخفت الحقيقة؟

ياسر قال:

— لأن أخوكي مات وهو بيحاول يكشف تزوير كبير في أملاك العيلة.

— ونبيل؟

— استغل موته، وبدأ يزوّر الأوراق، ومحمود اكتشف الحقيقة.

— والحادث؟

— نبيل دبّره علشان يسكت محمود.

بصيت لفؤاد:

— وإنت؟

قال:

— أنا ساعدت محمود يختفي بعد الحادث، لأننا كنا فاكرين إن نبيل هيقتله لو عرف إنه عايش.

— وماما يوسف؟

ياسر رد:

— كانت شاهدة على كل حاجة.

— وعرفت إن يوسف ابن أخوكي.

— أيوه.

— وماتت إزاي؟

سكت ياسر:

— موتها كان حادث، لكن التحقيقات وقتها ما أثبتتش حاجة.

بصيت ليوسف. كان واقف ساكت. قربت منه وضمّيته:

— يعني طول السنين دي كنت بتدور على عيلتك من غير ما تعرف إنك أصلًا من عيلتي.

يوسف بكى:

— أنا كنت خايف محدش يحبني.

ضمّيته أكتر:

— إنت مش محتاج نسب علشان تكون ابني.

جوزي قرب وحط إيده على كتفه:

— وإحنا هنفضل عيلتك، مهما كانت الحقيقة.

بعد أيام، اتفتح التحقيق من جديد. الأوراق اللي كانت في الصندوق أثبتت تزوير عقود الملكية، والتسجيلات كشفت أسماء الأشخاص اللي شاركوا في إخفاء الحقيقة. أما نبيل… فتم القبض عليه بعد ما حاول يهرب. واعترف بجزء كبير من اللي حصل.

لكن أهم حاجة بالنسبة لي كانت أبويا. بعد أسابيع من البحث، وصلني ظرف. جواه صورة حديثة. أبويا كان واقف قدام البحر. ومكتوب على ظهر الصورة:

“أنا آسف يا مريم، كان لازم أبعدك عن كل ده.”

عرفت إنه كان عايش فعلًا بعد الحادث. وعرفت كمان إنه اختار يفضل بعيد علشان يحميّني. لكن ماعرفتش هو فين.

لحد يوم… كنت قاعدة في البيت، ويوسف بيلعب في الصالة. رن جرس الباب. فتحد. ماكانش فيه حد. بس كان فيه ظرف صغير على الأرض. فتحته. جواه ورقة واحدة. بخط أبويا:

“مريم، لو يوسف بقى بخير، يبقى أنا أقدر أرجع.”

رفعت عيني. وفي آخر الشارع… كان فيه راجل واقف بعيد. شعره أبيض. واقف بنفس الطريقة اللي كان بيقف بيها أبويا.

يوسف خرج يجري. أول ما شافه، وقف مكانه. وبص لي:

— ماما.

— أيوه؟

قال وهو بيشاور ناحية الرجل:

— هو ده بابا محمود؟

قلبي وقف. الرجل ابتسم. وبدأ يمشي ناحيتنا. وأنا لأول مرة من سنين… ماجريتش وراه. استنيته هو اللي يرجع.

ولما وقف قدامي، قال:

— كبرتِ يا مريم.

عيطت. وقلت:

— وإنت اتأخرت أوي يا بابا.

فتح دراعه. وضميته. وفي اللحظة دي فهمت إن يوسف ماكانش مجرد طفل دخل حياتي بالصدفة. كان المفتاح اللي رجّع لي عيلتي، وكشف الحقيقة اللي اتدفنت سنين.

ومن يومها… ماعدتش أناديه ابني بالتبني. كنت أناديه ببساطة: ابني.

لأن بعض الأبناء بييجوا للدنيا من رحم الأم. وبعضهم بييجوا للدنيا من رحم الحكاية. ويوسف كان ابني بالطريقتين.

10 من 10التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى