روايات وقصص

أصبح الحنش الذي أربيه غريبًا

فتحت هاتفي لألتقط صورة جديدة له. وفجأة توقف كل شيء.بدأ جسد ميمون يرتجف ببطء.ثم رفع رأسه فجأة، وحدّق نحوي لثوانٍ قصيرة.لكن نظراته لم تتوقف عندي. ببطء تحرك رأسه مبتعدًا عني نحو الجانب الآخر من الغـ,ــرفة. وعندها فقط انتبهتُ إلى أنه كان يحدق في زاوية الغـ,ــرفة المظلمة. الزاوية نفسها. وحين التفتُّ نحوها أخيرًا سمعت صوت امرأة يهمس باسمي من داخل الظلام. غيثة تجمّد الدـ,ــم في عروقي. كان الصوت خافتًا جدًا لكنني سمعته بوضوح. غيثة صوت امرأة. خرج من الزاوية المظـ,ــلمة نفسها التي ظلّ ميمون يحدّق فيها طوال الأيام الماضية. تراجعتُ ببطء فوق السـ,ــرير، بينما بقي الحنش منتصب الرأس، وعيناه ثابتتين نحو الظلام.

ثم بدأ فحيحه يعلو.

فحيح طويل، غاضب، لم أسمعه منه طوال السنوات التي عاشها معنا.

شعرتُ بأنفاسي تخـ,ــتنق.

وحين حاولت تشغيل ضوء الغـ,ــرفة

انطفأ البيت كله دفعة واحدة.

غـ,ــرقت الغـ,ــرفة في الظلام.

ولثانية واحدة فقط

رأيت شيئًا قرب الباب.

ظلّ امرأة طويلة.

شعرها يغطي وجهها بالكامل.

ثم اختفى.

صرخت دون وعي، وقفزت أبحث عن هاتفي، لكن ميمون تحرّك فجأة بسرعة مرعبة، وصعد فوق السـ,ــرير حتى أصبح بيني وبين الباب مباشرة.

كأنه يمنع شيئًا من

الاقتراب.

ظلّ هكذا لثوانٍ طويلة

ثم عاد كل شيء ساكنًا.

عاد الضوء.

واختفى الظل.

أما أنا

فلم أنم حتى الصباح.

في اليوم التالي، خرجت من البيت باكرًا رغم أنني لم أنم سوى ساعة واحدة.

كنت أريد الهـ,ــرب من الرياض بأي طريقة.

حتى ضوء النهار بدا أرحم من الجلوس داخل تلك الجدران القديمة.

لكن الغريب

أنني طوال الطريق كنت أشعر بأن رائحة الحرمل ما تزال عالقة في ملابسي.

وفي كل مرة أتذكر الظل الذي رأيته قرب الباب، أقول لنفسي

شلل نوم فقط.

توتر.

الوحدة تجعل الإنسان يتوهم أشياء كثيرة.

لكنني لم أصدق نفسي.

عند الظهيرة، عدت إلى البيت وأنا أحاول التصرف بشكل طبيعي.

وجدت ميمون داخل الحوض الزجاجي.

هادئًا.

ملتفا حول نفسه.

كأن شيئًا لم يحدث.

اقتربت منه بحذر.

ولأول مرة منذ سنوات

شعرت بالخوف منه.

فتح عينيه ببطء حين شعر بي.

ثم رفع رأسه قليلًا، واتجه بنظره مباشرة نحو الممر المؤدي إلى غرف جدتي القديمة.

ليس نحوي أنا.

بل خلفي.

استدرت بسرعة.

لا شيء.

الممر فارغ.

لكنني سمعت بوضوح صوتًا خافتًا جدًا

كأن أحدًا يسحب قدمه فوق الأرض.

تراجعت إلى الخلف فورًا.

وفي تلك اللحظة، ضـ,ــرب ميمون الزجاج بذيله بعـ,ــنف حتى ارتج البيت كله.

شهـ,ــقت بفزع.

أما هو

فظل يحدق في الممر.

في المساء، جاءت لالة زهور، جارتنا العجوز، بعدما أخبرتها أن الكهرباء انقـ,ــطعت ليلًا.

كانت تعرف جدتي جيدًا.

وحين دخلت البيت، تغير وجهها فورًا.

توقفت وسط الفناء الداخلي، ثم رفعت رأسها ببطء نحو الطابق العلوي.

الرائحة رجعت.

قالتها كأنها تحدث نفسها.

سألتها بتوتر

أي رائحة؟

نظرت إليّ طويلًا قبل أن تجيب

الجاوي.

ثم أضافت بصوت منخفض

جدتك كانت تشعله كل ليلة.

حاولت الضحك.

كل العجائز يفعلن هذا.

لكنها لم تضحك.

بل اقتربت أكثر وهمست

ليس هكذا.

ثم التفتت فجأة نحو الحوض الزجاجي.

كان ميمون قد رفع رأسه بالكامل، يراقبها دون حركة.

تغير لون وجهها.

وتمـ,ــتمـ,ــت

ما زال يحرس

شعرت بانقـ,ــباض في صدري.

يحرس ماذا؟

لكنها تجاهلت سؤالي، وسارت ببطء نحو غـ,ــرفة جدتي المغلقة منذ وفـ,ــاتها.

وفجأة توقفت أمام الباب.

أنتِ لم تدخلي هذه الغـ,ــرفة بعد مـ,ــوتها صحيح؟

هززت رأسي بالنفي.

كانت تمنعني دائمًا.

وضعت لالة زهور يدها فوق المقبـ,ــض القديم.

ثم سحبتها بسرعة، كأنها لمست شيئًا ساخنًا.

لا تفتحيها ليلًا مهما حدث.

قالتها بجدية جعلتني أتوتر أكثر.

لماذا؟

التفتت نحوي ببطء.

ثم قالت الجملة التي جعلت معدتي تنقبـ,ــض

بعض الأبواب حين تُفتح

لا تُغلق بسهولة.

في تلك الليلة، لم أشعل أي ضوء داخل البيت.

كنت أريد النوم فقط.

أن تنتهي هذه الأيام الغريبة.

لكن منذ اللحظة التي أغلقت فيها باب غـ,ــرفتي

بدأت أسمع الصوت.

خطوات بطيئة داخل الممر.

مرة.

ثم مرة أخرى.

توقفت أنفاسي.

حاولت إقناع نفسي أن الصوت صادر من الجيران أو من خشب البيت القديم.

لكن الخطوات توقفت تمامًا خلف باب غـ,ــرفتي.

ثم

سمعت تنفسًا.

شعرت بجسدي يتجمد.

أما ميمون، فكان ملتفًا قرب الباب، رافع الرأس، وفحيحه يزداد تدريجيًا.

وبعد لحظات

سمعت امرأة تهمس باسمي مرة أخرى.

غيثة

كانت قريبة جدًا هذه المرة.

كأن فمها ملاصق للباب.

ثم بدأ المقــ,بض يتحرك ببطء.

صرخت

من هناك؟!

توقف كل شيء فورًا.

لا صوت.

لا حركة.

ركضت نحو الباب وفتحته دفعة واحدة.

الممر فارغ.

لكن الهواء كان باردًا بشكل غريب.

ورائحة البخور خـ,ــانقة أكثر من أي وقت مضى.

ثم وقع بصري على شيء جعلني أتراجع فورًا.

باب غـ,ــرفة جدتي

كان مفتوحًا.

شعرت بقلبي يهبط داخل صدري.

أنا متأكدة أنني تركته مغلقًا.

بل ومقفلاً.

أما الآن، فكان مفتوحًا قليلًا.

فتحة سوداء وسط الظلام.

وميمون

كان يحدق نحوه مباشرة.

ظللت واقفة دقائق طويلة دون حركة.

لا أعرف لماذا شعرت أن الاقتراب من الغرفة خطأ.

لكن الفضول كان أقوى.

تقدمت ببطء داخل الممر.

الأرضية الباردة تصدر صريرًا خافتًا تحت قدمي.

أما ميمون، فقد تبعني بصمت.

حين وصلت إلى

متابعة القراءة

السابق1 من 2
تابع المقال

زر الذهاب إلى الأعلى