عام

قالت عني فقيرة ومنعتني من زفافها…

يا ابنتي سامحيني لقد أخطأنا حين حكمنا عليك من الظاهر تعلمي يا سانيا الكرامة الحقيقية لا تظهرها الأموال بل التواضع

كانت تلك الكلمات كفيلة بأن

مقالات ذات صلة

تسدل ستارا على سنوات من سوء الفهم لم يكن في صوتها توبيخ قاس بل ندم واضح ورغبة صادقة في الإصلاح نظرت سانيا إلى الأرض ولم تجب لكن صمتها كان هذه المرة اعترافا

انتهت مراسم الزفاف وسط أجواء مختلفة تماما عما بدأت به لم يعد الحديث يدور حول الأناقة أو الأسماء اللامعة بل حول القيم والعمل والاجتهاد كثيرون اقتربوا مني بعد ذلك بعضهم بابتسامة خجولة وآخرون بأسئلة حذرة وكأنهم يحاولون بناء جسر جديد من الاحترام

بعد الزفاف تغير تعامل العائلة معي تدريجيا لم يكن التغيير فجائيا لكنه كان حقيقيا لم تعد سانيا تتجنبني أو تتحدث معي بتعال بل بدت أكثر تحفظا وأكثر وعيا بكلماتها

وبعد أيام وصلتني منها رسالة قصيرة لكنها كانت كافية

أعتذر إن كنت قد أسأت إليك يوما لم أكن أراك كما أنت

قرأت الرسالة بهدوء ولم أشعر بأي رغبة في العتاب لم أحمل في قلبي ضغينة فأنا أعلم أن كثيرا من الاحتقار يولد من الجهل لا من الشړ

في إحدى الأمسيات كنا أنا وروهان نجلس في شرفة المنزل كان الصمت بيننا مريحا يقطعه أحيانا صوت المدينة البعيد فجأة اقترب مني وهمس

أنا فخور بك لم تحتاجي إلى رفع صوتك ولا إلى الدفاع عن نفسك ولا إلى كشف أي شيء حضورك وحده قال كل شيء

نظرت إليه وابتسمت ثم قلت

لم أفعل شيئا غير أنني كنت نفسي لا أحد فقير إلى الأبد

ولا غني إلى الأبد لكن الاحترام لا يشترى ولا يفرض بل يكتسب بالجهد وبالصبر وبالتواضع

سكتنا قليلا ثم رفعت رأسي نحو السماء كانت تلك الليلة صافية على نحو غير مألوف كأن الغيوم تعمدت أن تنسحب احتراما للحظة امتد السواد الأزرق فوقي بلا حدود مرصعا بنجوم ثابتة لا تتزحزح فبدت لي كرسالة صامتة تقول إن الحياة مهما ضاقت في أعين البشر تظل أوسع من أحكامهم وأعمق من نظراتهم السطحية وأصدق من كل تصنيف متعجل

شعرت بطمأنينة لم أعرفها من قبل طمأنينة لا تشبه نشوة الانتصار ولا لذة الرد ولا حتى راحة إثبات الذات كانت طمأنينة ناضجة هادئة تنبع من الداخل لأنني لم أضطر يوما إلى

الدفاع

4

قالت عني فقيرة ومنعتني من زفافها… لكن عندما رآني العريس انحنى أمامي وانقلبت القاعة رأسًا على عقب

عن نفسي ولم أجبر الحقيقة على الظهور ولم أرفع صوتي كي أسمع أحدا من أكون الحقيقة خرجت وحدها كما تفعل دائما حين يترك لها الوقت الكافي

أدركت في تلك اللحظة أن أقسى ما يفعله الإنسان بنفسه هو أن يعيش عمره كله محاولا إقناع الآخرين بقيمته بينما القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان ولا إلى لافتة ولا إلى شهود إنها تظهر في المواقف في الصبر الطويل في القدرة على الصمت حين يكون الكلام سهلا وفي الثبات حين يكون التنازل عن المبادئ هو الطريق الأقصر

فالحياة

عاجلا أم آجلا تدور دورتها الكاملة لا تترك ظلما بلا كشف ولا غرورا بلا اختبار ولا تواضعا بلا تقدير تمنح كل إنسان فرصته العادلة ليرى على حقيقته لا كما يريده الآخرون ولا كما تحاول الصور الزائفة أن تصوره بل كما هو فعلا بأخلاقه وباختياراته وبطريقة تعامله حين لا يكون تحت الأضواء

وفي ذلك اليوم وسط زفاف امتلأ بالمظاهر والبريق والأحاديث عن المكانة والأسماء أدرك الجميع وربما أدركت أنا قبلهم أن الثروة الحقيقية لا ترتدى في هيئة فساتين فاخرة ولا تعلن

في قاعات مزدحمة ولا تقاس بالأرقام ولا بالألقاب الثروة الحقيقية تجسد في الكرامة في الهدوء في القدرة على أن تبقى إنسانا سويا لا يتغير قلبه حين تتغير الظروف

تعلمت أن الاحترام لا ينتزع بل يمنح تلقائيا لمن يستحقه وأن التواضع ليس ضعفا كما يظنه البعض بل هو أعلى درجات القوة وتعلمت أيضا أن الصمت في الوقت المناسب أبلغ من ألف خطاب وأن ترك المسافة بينك وبين من يسيء الظن بك أحيانا هو أرقى أشكال الرد

عدت إلى منزلي تلك الليلة وأنا أخف مما جئت

كأن عبئا قديما سقط عن صدري عبء لم أكن أدرك وجوده إلا بعد أن زال لم أعد معنية بنظرات المقارنة ولا بأحكام التصنيف ولا بمحاولات التقليل فقد فهمت أخيرا أن من يرى بعينيه فقط سيظل أسير المظهر أما من يرى بقلبه فسيعرف الجوهر ولو تأخر

وهكذا تركت ذلك اليوم خلفي لا كذكرى انتصار بل كدرس عميق درس علمني أن الزمن هو الحكم الأصدق وأن الصدق مع النفس هو الطريق الأقصر للسلام وأن الكرامة حين تصان في الخفاء تشرق يوما ما

في العلن دون أن تطلب الإذن من أحد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى