
4
مرات اخويا ٢
تكملة أحداث القصة – الجزء الثالث:
خرجت أنا وعصام جري على الصالة وقلوبنا في رجلينا، ولقينا أبويا واقف وساند على الحيطة وجسمه كله بيترعش، وهو بيشاور بإيده على الباب اللي كان مفتوح على الآخر. بره الباب، كان واقف تلات رجالة من كبار البلد، ومعاهم “حسين” ابن جارتنا اللي وشه كان أصفر وبيتجنب يبص في عينينا.
أحد الرجالة، وهو الحاج عبد الحميد، دخل خطوتين جوه الصالة ونزل عينه في الأرض وقال بنبرة تقيلة: “يا حاج متولي، إحنا جينا بالمعروف عشان نقعد مع عصام ونحل الموضوع ودي.. الوعود اللي اتأخرت كتير دي مبقتش تاكل عيش مع أصحاب المال”.
بصيت لعصام ولقيت وشه اتحول للون الأزرق، وعرق في ثانية واحدة كأن مية اتدقت عليه. قربت منه ومسكت دراعه: “في إيه يا عصام؟ أصحاب مال مين؟ والناس دي عاوزة إيه؟!”.
عصام نزل راسه في الأرض ومطقش بكلمة، لكن الحاج عبد الحميد كمل كلامه وهو بيبص لعصام: “أخوكي يا نادية، قبل ما يسافر دبي من سنتين، مضى على نفسه شيكات وإيصالات أمانة بـ 400 ألف جنيه لـ “المعلم فرج” عشان يشتري بيهم الفيزا وعقد العمل ومصاريف السفر. وكان الاتفاق إنه يسدد من هناك كل شهر بشهره.. عصام سدد أول سنة، ومن سنة كاملة مبعتش قرش واحد للمعلم فرج، والراجل صبر عليه لما قال أموره تعبانة وهياخد مراته، لكن لما عرف إن الشركة صفت وعصام راجع نهائي، رفع الإيصالات للمحكمة، ومعانا أمر ضبط وإحضار لعصام لو مفعناش المبلغ أو وصلنا لحل الليلة دي”.
الدنيا اسودت في عيني، وبصيت لعصام بذهول: “سنة كاملة مبتحولش فلوس؟ أمال الفلوس اللي كنت بتبعتها لنيرمين ومصاريف البيت دي كانت منين؟!”.
نيرمين خرجت بالكرسي المتحرك من أوضتها على صوت الزعيق، وعينيها كانت مبرقة من الصدمة، وقالت بصوت مخنوق: “عصام مكنش بيبعتلي مليم من سنة يا نادية! أنا كنت باخد من دهب جهازك اللي شيلتيه عندي أمانة.. كنت ببيع منه غويشة بغويشة عشان أمشي البيت وأجيب علاج أبوكي وأمك وأكل عيالنا، ومردتش أقولك عشان مكسرش فرحتك بكرة ولا تحسي إنك تقيلة علينا!”.
وقعت الكلمة عليا زي السكي..نة.. دهب جهازي اللي حيلتي من الدنيا بعد طلاقي، نيرمين كانت بتبيعه عشان تأكلنا وتأكل أبويا وأمي، وأنا اللي كنت فاكراها عايشة في خير أخويا وكنت مستخسرة فيها تسافر وتشوف جوزها!
أبويا لما سمع كلام نيرمين وكلام الرجالة، حط إيده على قلبه، وقعد على الكنبة ونفسه انقطع تماماً، وبقى يشهق ومش قادر يلقط النفس. صرخت: “أبويا!! إلحقوني يا ناس أبويا بيموت!”.
عصام جرى على أبويا وهو بيبكي ويسند راسه، والحاج عبد الحميد والرجالة اتدخوا بسرعة، وطلبنا الإسعاف للمرة التانية في أسبوع واحد. الصالة اتحولت لسرادق عزا من غير موت؛ أمي بتصرخ من أوضتها ومش قادرة تقوم، ونيرمين بتبكي على كرسيها وبتدعي ربنا، وعصام منهار فوق ركبة أبويا وهو بيقول: “سامحني يا بويا.. ضيعتكم وضيعت نفسي.. الغربة عمت عيني والشركة نصبت عليا وأخدت شقايا كله”.
الإسعاف جت ونقلت أبويا على المستشفى ودخل العناية المركزة نتيجة جلطة في القلب بسبب الزعل الضغط المفاجئ.
وقفنا أنا وعصام في طرقة المستشفى بليل، والبرد بياكل في عضمنا، وعصام حاطط راسه بين رجليه وبيعيط بحرقة. قربت منه، وقعدت جنبه، ومسكت إيده.. الإيد اللي زعقتلي في التليفون وقالتلي “شيليهم”، دلوقتي إيد ضعيفة ومكسورة.
قولتله بصوت هادي وناشف: “الدموع مش هتقوم أبوك من العناية يا عصام، ولا هتحميك من السجن.. إحنا لازم نتصرف”.
بص لي بعيون حمرا وقال: “هنتصرف منين يا نادية؟ البيت مفيش فيه جنيه واحد، ودهبك نيرمين باعته كله ومفضلش غير الخاتم اللي في إيدها، والشركة في دبي حجزت على مستحقاتنا كلنا وهرب صاحبها.. أنا ضعت خلاص، وبكرة الصبح هكون في التخشيبة”.
سكت لثواني وأنا بفكر في العيلة اللي بتتفرفط قدام عيني دي، وقولتله: “البيت يا عصام”.
بص لي باستغراب: “بيت العيلة؟!”.
قولتله: “أيوة.. البيت ده كبير وفي وسط البلد، ويسوى كتير.. إحنا نبيع النص بتاعنا، أو نرهنه للمعلم فرج لحد ما تدبر نفسك وتشتغل هنا وتشد حيلك.. المهم رقبتك تخلص وأبوك لما يخرج يلاقيك في حضنه”.
عصام دمع وقال: “بس ده ورثك أنتِ وأختك كمان يا نادية.. وأبويا لو عرف إننا فرطنا في البيت اللي بناه بعرقه هيموت فيها”.
قولتله: “أبوك هيموت لو شافك ورا القضبان.. وأنا وأختك مسامحين، المهم نعدي الأزمة دي.. الصبح هكلم أختنا الكبيرة وأجيبها، ونروح للمعلم فرج”.
وفعلاً، قضيت الليلة صاحية جنب باب العناية، والصبح بدري أختي الكبيرة جت وهي بتبكي، وجمعنا بعضنا وإحنا سايبين جارتنا مع أمي في البيت، وروحنا لبيت المعلم فرج عشان نعرض عليه الحل ده وننقذ عصام قبل ما الشرطة توصله.
دخلنا المندرة عند المعلم فرج، وكان راجل شديد وكلمته سيف. قعدنا وعصام راسه في الأرض، وبدأت أنا أتكلم وأشرح له الوضع وعرضت عليه رهن نص البيت مقابل الإيصالات، لحد ما عصام يشتغل ويسدد.
المعلم فرج سكت شوية، وشرب من كوباية الشاي، وبص لنا بكل جمود وقال: “كلامكم زين يا بنتي، ويقطع القلب.. بس أنا تاجر وبحسبها بالورقة والقلم. نص البيت ده مش هعرف أتصرف فيه ولا أبيعه طول ما أبوكم عايش فيه، يعني فلوسي هتفضل متجمدة، وأنا محتاج سيولة لتجارتي”.
أختي الكبيرة بدأت تبكي وتقول: “بوس إيدك يا معلم فرج، استرنا واستر أخونا، ده إحنا ملناش غيره بعد ربنا وأبونا راقد في الإنعاش”.
المعلم فرج حط الكوباية وصقف بإيده، ودخل واحد من رجالته ومعاه شنطة سودا، وحطها على التربيزة. المعلم فرج بصلنا وقال: “أنا عندي عرض تاني.. وهيخلصكم من كل الديون دي في ثانية واحدة، وهتخرجوا من هنا ومعاكم قرشين كمان تعالجوا بيهم أبوكم”.
بصينا لبعضنا برعب، وعصام سأل بنبرة قلقانة: “عرض إيه ده يا معلم فرج؟!”.
المعلم فرج مال لقدام وقال بنبرة واطية وعينيه بتلمع: “البيت بتاعكم ده، مبني من سنة 1950.. والمنطقة اللي هو فيها، كل البيوت اللي جنبها لما اتهدت عشان يبنوا أبراج، ظهر تحتها خير كتير.. آثار من بتاعة زمان.. وأنا عاوز أشتري البيت كله كاش، باللي فوق الأرض.. واللي تحت الأرض.. وتمضوا على البيع النهائي دلوقتي حالا.. وإلا.. المحضر هيتحرك وعصام هيبات في السجن الليلة”.
وقفنا كلنا مذهولين.. نبيع البيت كله؟ ونرمي أمنا المريضة وأبونا اللي في العناية ونيرمين العاجزة في الشارع؟! وتحت الأرض في إيه؟!
وقبل ما عصام ينطق أو ياخد القرار، الباب اتفتح ودخل حسين ابن جارتنا وهو بينهج ووشه جايب مية، وصرخ فينا: “إلحق يا عصام.. إلحقي يا نادية.. أبوكم.. المستشفى بتتصل وبتقول..”.. يتبع..
تكملة أحداث القصة – الجزء الرابع:
طارت عقولنا من مكانها لما حسين نطق الجملة دي، وأختي الكبيرة صرخت ولطمت على وشها: “أبويا مات! أبويا راح يا عصام!”، وجرينا كلنا من مندرة المعلم فرج زي المجانين في الشوارع، وسبنا الشنطة والورق وراه، وعصام كان بيجري ويقع في الطين من كتر الصدمة وهو بيصرخ: “لأ يا رب.. بلاش أبويا.. متوجعش قلبي عليه وأنا مكسور كدة!”.
وصلنا المستشفى ونفسنا مقطوع، ودخلنا جري على طرقة العناية المركزة، لقينا الدكاترة والممرضين متجمعين حوالين سرير أبويا والستارة مقفولة. عصام زق الممرض ودخل وهو بيبكي: “أبويا! يا حاج متولي رد عليا يا با!”، لكن الدكتور مسك عصام من كتافه وقاله بحدة: “اهدأ يا استاذ! اهدأ مفيش حالة وفاة.. إحنا بنتصل بيكم من بدري عشان الحاج فاق من الغيبوبة فجأة، وبقى واعي، بس عمال ينده على نادية وعصام، وضغطه كان هيرفع تاني من القلق عليكم!”.
وقعت على الركبي في الأرض وأنا بنهج وببكي من الفرحة.. أبويا عايش! ربنا ماردش يكسرنا الكسرة الكبيرة دي. دخلنا عليه أنا وعصام وأختي، ولقينا عيون الحاج متولي دبلانة ودموعه نازلة على خده، وبص لعصام وشاور له بـ إيد تترعش. عصام رمى نفسه على إيد أبوه وباسها وهو بيبكي: “سامحني يا با.. أنا اللي عملت فيك كدة.. أنا السبب”.
5
مرات اخويا ٢
أبويا اتكلم بصوت متحشرج وتعبان للغاية: “البيت يا عصام.. أوعى تفرط في البيت.. أنا سمعتكم وأنا في العناية، وسمعت كلام نيرمين.. البيت ده حمايتكم، لو بعتوه هتتشرعوا في الشوارع.. المعلم فرج طمعان في الأرض مش في المبنى”.
بصيت لأبويا بذهول وقولتله: “يا با، بس المعلم فرج معاه إيصالات على عصام بـ 400 ألف جنيه، والشرطة بتدور عليه، لو مبعناش عصام هيتسجن!”.
أبويا غمض عينه بتعب وبلع ريقه بصعوبة وقال: “روحوا لـ عمكم الحاج غريب في كفر صقر.. قولو له الحاج متولي عاوز الأمانة اللي شيلتها عندك من عشرين سنة.. هو عارفها.. الأمانة دي هي اللي هتفك رقبة أخوكي يا نادية، وتحمي بيتنا”.
مفهمناش كلام أبويا، وأختي الكبيرة قالت لعصام: “عمنا غريب؟ ده مقاطعنا من يوم وفاة عمنا الصغير ومبيدخلش بيتنا! أمانة إيه دي اللي بقالها عشرين سنة؟!”، لكن الدكتور دخل وفصلنا عن أبويا لأن ضربات قلبه بدأت تزيد وطلب مننا نخرج فوراً عشان يرتاح.
خرجنا بره المستشفى وإحنا محتارين، عصام قال بنبرة خوف: “أنا مش هقدر أسافر كفر صقر يا نادية.. لو اتحركت على الطريق وفي كمين، هتقبض عليا.. المعلم فرج مش هيسكت، وأكيد حرك المحاضر بعد ما سيبناه وجرينا”.
وقفت وقولتله بقوة عمري ما عرفت إنها جوايا: “أنا هسافر يا عصام.. أنا وأختي هناخد عربية ونروح للحاج غريب، وأنت ارجع البيت اقعد تحت رجل أمك ونيرمين، وخليك مستخبي لحد ما نشوف سر الأمانة دي إيه”.
وفعلاً، سيبنا عصام في المستشفى جنب أبويا، وأخدت أختي الكبيرة وركبنا مواصلة لكفر صقر. طول الطريق وأنا بفتكر الأيام اللي فاتت؛ إزاي كنت الست المستهترة اللي مبتشيلش هم، ودلوقتي شايلة هموم عيلة كاملة على كتافي وبسافر من بلد لبلد عشان أنقذ أخويا.
وصلنا بيت عمي الحاج غريب، وكان بيت قديم وهادي، وأول ما شافنا على الباب، وشه اتغير واستغرب جداً. دخلنا المندرة وقعدنا، وبدأ يرحب بينا برسمية وجفاء، فقولتله عل طول ومن غير مقدمات: “يا عمي، إحنا جايين لك من ريحة الحاج متولي.. أبويا في العناية المركزة بين الحيا والموت، وبيقولك هات الأمانة اللي شيلها عندك من عشرين سنة عشان تفك رقبة عصام من السجن والبيت ميروحش مننا”.
الحاج غريب أول ما سمع اسم “متولي” وإنه في العناية، عينه لمعت بالدموع، وقام وقف وقال بصوت مهزوز: “متولي تعبان؟! يا حبيب اخوك يا متولي.. بقالنا عشرين سنة مقاطعين بعض بسبب ورث الأرض، وشايل سري وسرك في قلبك لحد ما تعبت!”.
جرى عمي غريب على أوضة جوه، وغاب ربع ساعة، ورجع وفي إيده صندوق خشب قديم، عليه قفل حديد مصدي، ومفتاحه كان مربوط في رقبة عمي بسلسلة. قعد قدامنا وفتح القفل، وطلع من الصندوق لفافة قماش قطيفة سودة، وفتحها..
جوه القماش كان فيه أوراق قديمة جداً مفرة، ومعاها “عقد بيع وشراء” مؤرخ من سنة 1995، وسبائك دهب قديمة وصغيرة!
عمي غريب بص لنا وقال: “الأوراق دي يا بنتي، هي عقد ملكية الأرض اللي مبني عليها بيتكم، بس الأرض دي مش بتاعة أبوكم لوحده.. الأرض دي كانت شراكة بين أبويا وأبو المعلم فرج زمان، وأبو المعلم فرج باع نصيبه لأبوكم في السر وقبض ثمنها دهب، وشالوا العقد عندي عشان إخوات المعلم فرج ميعرفوش.. يعني المعلم فرج ملوش أي حق يهد البيت ولا يطالب بالأرض، والعقد ده يخلينا نرفع عليه قض..ية تزوير لو حاول يمس شبر واحد من البيت، والدهب ده.. أبوكم كان شايله للزمن الصعب، وقالي متخرجهوش يا غريب إلا لو البيت هيتهد أو حد من العيال حبل المشنقة لف حوالين رقبته!”.
بكينا أنا وأختي من الفرحة، وحضنا عمي اللي أصر يرجع معانا الشرقية بنفسه عشان يقف جنب أخوه وجنب عصام. أخدنا الصندوق والدهب وركبنا العربية ورجعنا وبقينا حاسين إن الفرج جه خلاص.
لكن الفرحة مكملتش..
أول ما وصلنا مدخل قريتنا في الشرقية، لقينا زحمة كبيرة قدام بيت العيلة، وصوت صريخ البنات الصغار (بنات نيرمين) مالي الشارع، وعربيتين شرطة واقفين قفلين السكة، والمعلم فرج واقف مع الظابط وبيشاور على باب البيت ويقول: “هو ده يا باشا.. المتهم مستخبي جوه، ومزور إيصالات وضارب ع العباد حقوقها!”.
نزلت من العربية وجريت وسط الناس، ولقيت عصام خارج والكلابشات في إيده، ووشه في الأرض، ونيرمين بتصرخ من البلكونة وهي مش قادرة تتحرك.. وعصام عينه جت في عيني وقالي بكسرة: ” خلاص يا نادية.. المعلم فرج جاب الشرطة والكلابشات سبقتكم”..
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




