روايات وقصص

اهانه فى البنك لمحمد نور

تقدمت صرافة شابة من خلف المنصة، كانت بطاقة اسمها تحمل **”مي”**.

بدت في منتصف العشرينات، بشعر قصير وعينين ذكيتين. نظرت بعناية الى بطاقتي ثم الى أختام وزارة الدفاع.

قالت: «أستطيع أخذ الوثائق الى غرفة التدقيق… يمكننا الاتصال بالرقم الرسمي وتأكيد الحوالة».

التفتت “نادين” نحوها بسرعة جعلت البعض يرتعد: «هل طلبت رأيك؟»

ابتلعت “مي” ريقها: «لا يا أستاذة، كنت أحاول فقط—»

قاطعتها “نادين”: «أنت صرافة مبتدئة، لا تتدخلي عندما تتعامل الإدارة مع تحقيق في احتيال محتمل».

نظرت “مي” إلي ثم الى ابني: «مع احترامي، الهوية تبدو سليمة، والتثبت سيحمي البنك».

اقتربت “نادين” منها: «إن شككت في قراري مرة أخرى أمام زبون، فستطردين قبل نهاية اليوم».

تلاشى اللون من وجه “مي”، وتابعت “نادين” بصوت خافت لتجعل التهديد أكثر شخصية: «سأحرص على أن تعرف كل مؤسسة مالية في هذه المنطقة سبب طردك. فكري جيداً في شقتك، وتأمينك الصحي، وعائلتك قبل أن تتحديني مرة أخرى».

علمت لاحقاً أن والد “مي” كان قد خدم أعواماً في الجيش وعاد بعد أن فقد جزءاً من ساقه اليسرى؛ ولهذا السبب عرفت رتبتي العسكرية فوراً، ولهذا السبب أيضاً وجدت الشجاعة للتكلم.

لكن الشجاعة لا تمحو الخوف، خاصة عندما يملك شخص ما القدرة على سلب قوت يومك.

تراجعت “مي” الى الخلف، وامتلات عيناها بالدموع، فغطت فمها بيدها وانحسرت نحو خزائن الملفات.

أسكتت “نادين” الموظفة الوحيدة التي كانت مستعدة للتصرف بمهنية.

ثم التفتت إلي، ونقرت على بطاقتي العسكرية بطرف إصبعها المطلي: «أتظنين أن بضع وثائق مطبوعة يمكن أن تخدعني؟»

«رقم التأكيد في الصفحة الأولى».

«لست بحاجة للإتصال بأحد».

أخبرني ذلك الجواب بكل شيء: لم تكن الحقيقة هي ما تريده، بل كانت تريد إهانتي.

جذبت المواجهة المتصاعدة العملاء من كل زاوية في البهو؛ فترك الناس استمارات الإيداع ومواعيدهم الخاصة ليشكلوا نصف دائرة حولنا.

ظهرت الهواتف الذكية من الجيوب والحقائب، وتوجهت العدسات نحو وجهي.

لم يسأل أحد عما حدث، ولم يحاول أحد قراءة الوثائق؛ كانوا يرون مشهداً يتطور وأرادوا تسجيله قبل أي شخص آخر.

انضم ابني الى ساقي ملتصقاً.

وتقدم رجل بدين يرتدي بدلة فاخرة لكنها سيئة المقاس الى المقدمة—علمت لاحقاً أن اسمه “سعد”، وأنه قضى سنوات يحاول نيل حظوة في الفرع عن طريق ملق الإدارة والاستعراض بثروته.

رأى فرصة لإثارة إعجاب “نادين”، فأعلن: «المديرة “نادين” على حق تماماً! انظروا إليها، إنها تحاول بوضوح استغلال هذا الطفل لكسب التعاطف!».

أشار بإصبعه مباشرة الى ابني، فتراجع الصبي وقبض على قماش سروالي بكلتا يديه.

ضحك بعض الحضور، وهز آخرون رؤوسهم.

أخفى ابني وجهه في فخذي، وشعرت بدموعه تبلل القماش.

أصبح غضبي هادئاً جداً؛ وهذا النوع من الهدوء هو ما حماني في مواقف خطيرة عبر قارات ثلاث.

نظرت مباشرة الى اختي: «يا “نادين”، توقفي الآن قبل أن تخلقي عواقب لا يمكنك تداركها».

ابتسمت: «أنت لا تخيفينني».

«هذا ليس تهديداً، بل هي فرصتك الأخيرة للتأكد من الوثائق وتصحيح سلوكك».

للحظة، تذكرت غرفة النوم المشتركة في طفولتنا، والتهامس بعد إطفاء الأنوار، واستعارة كنزاتها والوعد بعدم إخبار أمنا… قضيت سنوات أمل أن تكون اختي ما زالت موجودة تحت هذا الكبرياء.

لكن المرأة الواقفة خلف المنصة محت ذلك الأمل.

رفعت “نادين” الصك ذا الملايين الخمسة فوق رأسها ليراه كل زبون: «هذا هو شكل الاحتيال!».

ثم شقته الى نصفين.

تردد صدى الصوت في البهو.

مزقت النصفين مرة أخرى وأطلقت القطع في الهواء، فهبطت المزايا حولنا، وسقطت على حذائي، وعلى حقيبة ابني، وعلى الرخام المصقول.

قالت: «هذا هو المكان الذي تنتهي إليه الأوراق العادمة».

جثا ابني على ركبتيه وبدأ يجمع القطع، وكانت يداه الصغيرتان تتحركان بلهف على الأرض لمحاولة تجديد الأطراف الممذوقة.

مددت يدي ورفعته فوراً، وهمست: «لا يا بني… نحن لا نجثو لهذا».

احتضنته بشدة ونظرت خلال الصورة المصقولة التي صنعتها “نادين” لنفسها—تجاوزت البدلة، والعطر، واللوحة النحاسية على باب مكتبها.

قلت لها: «لقد أنهيت مسيرتك المهنية لتوك يا “نادين”».

لم يرتفع صوتي، وبقيت يداي ثابتتين.

نظرت إلي لثانية واحدة، ثم أمسكت بسمّاعة الهاتف وأمرت الأمن بالاتصال بالشرطة.

تقدم رئيس حراس الأمن، “مروان”، من أقصى البهو. كان رجلاً ضخماً مهاباً ذا رأس محلوق ومعدات ثقيلة معلقة بحزامه، وكان طريقتة توحي بأنه يستمتع باستخدام منصبه لتخويف من يبدون أقل قوة.

أخرج زوجاً من القيود الحديدية وتقدم نحونا دون أن يفحص هويتي أو يسأل سؤالاً واحداً.

«ضعي يديك خلف ظهرك!»

قلت له: «هويتي ووثائق الاعتماد على المنصة. لا تقترب من طفلي بتلك القيود».

تجاهلني.

بقي ابني ملتصقاً بساقي وهو يبكي.

مد “مروان” يده بإهمال، ودفع القيود بقرب شديد من وجه الصبي؛ فانتفض ابني عائداً الى الخلف، ومر الحديد على بعد أنملة من وجنته.

في أقل من ثانية، دفعت معصم “مروان” للأعلى، واخترقت مركز ثقله، وأسقطته على ركبة واحدة بحركة ثابته.

ثم تركته فور زوال الخطر المباشر، ودفعت القيود بقدمي بعيداً، ورفعت يدي كلتيهما أمام أعين الحضور.

قلت بوضوح لتسجيل الكاميرات: «لقد حميت طفلي فحسب».

شكل الحراس الآخرون نصف دائرة حولنا، وبعضهم يحمل أجهزة كهربائية مستعدة.

وقفت بينهم وبين طفلي.

خلف المنصة، كانت “مي” تبكي بصمت؛ كانت تبدو كأنها تمقت نفسها لأنها لم تفعل المزيد، رغم أنها أظهرت نزاهة أكبر من أي شخص آخر في القاعة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى