
جوزي اتهمني إني أمه، وطردني من البيت قدام أهله بس قبل ما أمشي، حطيت الموبايل على الترابيزة وقلت لهم شغّلوا التسجيل الأول، وبعدها احكموا عليا.
عمري ما تخيلت إن يوم عادي في حياتي ممكن ينتهي بالطريقة دي.
كنت متجوزة خالد بقالنا ست سنين، وعمرنا ما كنا أغنياء، بس كنا عايشين مستورين.
أنا بشتغل من البيت، وهو شغال في شركة مقاولات، وأمه، سامية، كانت عايشة لوحدها في شقتها على بُعد كام شارع مننا.
من أول جوازنا وهي مش بتحبني.
مش بتعمل مشاكل صريحة، لكن دايمًا كانت بتعاملني كأني واحدة غريبة دخلت وخدت ابنها منها.
كل زيارة كانت لازم تقول كلمة تدايقني.
خالد بقى مش بييجيلي زي الأول.
أصل شغله كتير يا طنط.
شغله؟ ولا مراته مشغلاه؟
كنت بضحك وأعدي.
عشان خالد كان دايمًا يقولي
أمي كبيرة، استحمليها.
فكنت بستحمل.
لحد يوم الخميس.
رجعت من مشوار، لقيت خالد واقف في الصالة، وأمه قاعدة على الكنبة، ووشها أحمر من العياط.
أول ما دخلت، بصتلي وقالت
رجعتي؟
استغربت.
أيوه في حاجة؟
خالد ما ردش.
سامية مسحت دموعها وقالت
الفلوس راحت.
فلوس إيه؟
الفلوس اللي كانت في الدولاب.
بصيت لخالد.
وإيه دخل ده بيا؟
قال ببرود
أمي كانت حاطة مبلغ كبير في أوضتها، والنهارده لما راحت تجيبه ملقتهوش.
طيب؟
طيب إيه؟
صوته بدأ يعلى.
مين غيرك بيدخل بيت أمي؟
اتسمرت مكاني.
أنت بتتهمني؟
سامية قامت من مكانها وقالت
أنا ما اتهمتهاش، أنا بس بقول إن الفلوس اختفت بعد آخر مرة كانت عندي فيها.
ضحكت من الصدمة.
أنا كنت عندك من أسبوعين!
وأنا ما قلتش إنك خدتيها وقتها.
خالد تدخل
طب الفلوس اختفت إمتى؟
من تلات أيام.
بصيت له.
وأنا من تلات أيام ما دخلتش بيتها أصلًا!
قال
بس عندك مفتاح.
هنا فهمت إن الموضوع متجه لمكان أسوأ بكتير.
المفتاح اللي أنت بنفسك اديتهولي عشان لو حصل لها حاجة؟
أيوه.
وأنا عمري ما استخدمته من غير ما أقولك.
سامية شهقت
يعني عندك مفتاح شقتي وبتدخلي وقت ما تحبي؟
لا طبعًا!
بصيت لخالد وأنا مستنية يدافع عني.
لكنه قال
افتحي شنطتك.
سكت.
نعم؟
افتحي شنطتك.
أنت مجنون؟
لو مالكيش دعوة، مش هتخافي.
فتحت شنطتي قدامه.
قلب فيها.
مفيش حاجة.
فتش جيوب هدومي.
مفيش.
حتى
المحفظة فتحها.
وبعدين سامية قالت
فلوسي كانت خمسين ألف جنيه.
خمسين ألف!
المبلغ كان كبير جدًا.
بصيت لخالد
أنت مصدق إني آخد خمسين ألف جنيه؟
قال
أنا مش عارف أصدق مين.
الجملة دي وجعتني أكتر من الاتهام نفسه.
يعني بعد ست سنين جواز، تصدق أمي لمجرد إنها قالت إني سرقتها؟
رد
أمي عمرها ما كذبت عليا.
سامية بصتلي بانتصار.
وقتها حسيت إني لو فضلت دقيقة واحدة في البيت ده، هخسر كرامتي أكتر.
دخلت أوضتنا، لمّيت كام حاجة في شنطة صغيرة.
وأنا خارجة، خالد وقف قدامي
رايحة فين؟
عند أمي.
مش هتخرجي من هنا قبل ما نعرف الفلوس راحت فين.
اعمل اللي أنت عايزه.
قال بعصبية
لو خرجتي، يبقى الموضوع انتهى.
وقفت.
بصيت له طويلًا.
أنت اللي اخترت تصدقني حرامية.
ومشيت.
روحت عند أمي، وقعدت عندها يومين.
خالد ما اتصلش.
ولا حتى سألني أكلت ولا لأ.
وفي اليوم التالت، محامي العيلة اتصل بيا.
قال
محتاج أقابلك ضروري.
رحتله.
أول ما قعدت، طلع ملف وحطه قدامي.
خالد قدم بلاغ.
قلبي وقع.
بلاغ ضدي؟
أيوه.
فتح الملف.
ووالدته مصرة إنك الوحيدة اللي كان عندها فرصة تاخد الفلوس.
بصيتله وقلت
وأنا أقدر أثبت إني ما دخلتش شقتها أصلًا.
قال
عندك دليل؟
سكت.
لأني وقتها ما كنتش أعرف إن عندي دليل.
رجعت البيت عند أمي وفتحت موبايلي.
فضلت أقلب في الصور والرسائل.
وفجأة افتكرت حاجة.
قبل ما أروح عند سامية آخر مرة، كنت فاتحة مكالمة فيديو مع أختي.
والمكالمة كانت طويلة.
طلعت سجل المكالمات.
وكان التاريخ موجود.
لكن ده مش كفاية.
لأنها كانت مكالمة فيديو، وممكن أكون قفلت بعدها وروحت.
وقتها افتكرت حاجة تانية.
أختي كانت بتسجل الشاشة وقت المكالمة عشان كانت بتشرحلي حاجة على الموبايل.
اتصلت بيها فورًا.
إنتِ لسه عندك تسجيل المكالمة بتاعتنا؟
قالت
أيوه، ليه؟
ابعتيهولي حالًا.
بعتته.
فتحته.
وفي التسجيل كنت قاعدة في بيت أمي طول الوقت.
والساعة ظاهرة.
يعني مستحيل أكون رحت عند سامية في الوقت اللي قالت إن الفلوس اختفت فيه.
اتنفست براحة.
وأول حاجة عملتها إني بعت التسجيل لخالد.
شافه.
وبعدها بدقايق اتصل.
تعالي البيت.
ليه؟
لازم نتكلم.
روحت.
دخلت الصالة.
كان خالد وأمه قاعدين.
وفي إيد خالد
موبايله.
قال
التسجيل يثبت إنك ما كنتيش هناك.
رديت
أيوه.
سامية قالت بسرعة
يبقى أكيد الفلوس اختفت قبل كده.
بصيتلها.
يبقى لازم نسأل مين كان عندك.
سكتت.
خالد بص لها.
مين كان عندك يا أمي؟
قالت
محدش.
في اللحظة دي حطيت موبايلي على الترابيزة.
وقلت
شغّلوا التسجيل الأول.
خالد ضغط تشغيل.
وسمعنا صوت سامية نفسها.
وكانت بتتكلم مع واحدة في التليفون.
الصوت كان واضح.
والجملة اللي قالتها خلت خالد يقوم من مكانه فجأة
خالد مصدق إن مراته هي اللي سرقت الفلوس خلي بالك بس، ما حدش يعرف إننا نقلناهم.
الصالة كلها سكتت.
خالد بص لأمه.
مين دي؟
سامية بدأت تتلعثم.
وأنا قلت بهدوء
دي مش كل التسجيل.
طلعت تسجيل تاني.
وحطيته قدامه.
المرة دي كان صوت شخص تاني.
صوت راجل.
ولما خالد سمع أول كلمتين منه
وشه اتغير تمامًا.
لأن الصوت كان صوت والده اللي متوفي من أربع سنين.
والرسالة كانت مسجلة قبل وفاته بشهور.
واللي قاله فيها كشف سرًا عن أمه، وعن الخمسين ألف جنيه، وعن السبب الحقيقي اللي خلاها تتهمني أنا بالسرقة.
لكن المفاجأة الأكبر
إن الفلوس أصلًا ما كانتش فلوس سامية.
كانت فلوس خالد نفسه.
ولو عايزين تعرفوا مين الراجل اللي كانت سامية بتكلمه، وإزاي الفلوس وصلت عندها، وليه اختارت تتهم مرات ابنها بدل ما تقول الحقيقة
خالد فضل واقف مكانه كأنه اتثبت في الأرض.
بص للموبايل اللي في إيدي، وبعدين بص لأمه.
الصوت ده صوت أبويا فعلًا.
سامية وشها اصفر.
خالد، اسمعني قبل ما تحكم
صرخ فيها
إنتِ اللي قلتيلي إن الفلوس فلوسك!
حاولت تقوم، لكنه أشار لها تقعد.
اقعدي يا أمي.
أنا كنت ساكتة، بس جوايا ألف سؤال.
قلت بهدوء
التسجيل ده كان عندي من فترة، وعمري ما كنت أعرف إنه متعلق بالموضوع ده.
خالد بصلي
إنتِ كنتِ عارفة؟
لا.
طب جبتيه منين؟
من حاجات قديمة كانت على موبايل أختي. التسجيل اتبعتلي النهارده.
سامية بدأت تبكي.
أنا كنت خايفة.
خالد قرب منها.
خايفة من إيه؟
ما ردتش.
كرر
الفلوس كانت فلوسي فعلًا؟
هزت راسها ببطء.
أيوه.
حسيت إن الأرض اتسحبت من تحت رجلي.
خالد لف ناحيتي، وشكله اتغير تمامًا.
يعني أمي كانت عارفة إن الفلوس بتاعتي؟
قلت
واضح.
وليه كانت مخبياها؟
سامية
مسحت دموعها وقالت
أبوك هو اللي طلب مني.
خالد اتجمد.
أبويا؟
أيوه.
ليه؟
سامية سكتت.
فقلت
شغل التسجيل التاني.
خالد ضغط تشغيل.
خرج صوت والده واضح، لكنه كان متقطع بسبب جودة التسجيل
سامية الفلوس دي ما ينفعش خالد يعرف عنها دلوقتي.
خالد قرب الموبايل من ودنه.
ليه؟
وجاء صوت والده مرة تانية
لأنه لو عرف الحقيقة هيبدأ يدور ورا الموضوع كله.
خالد بصلي.
أي حقيقة؟
أنا ما جاوبتش.
لأن التسجيل كمل.
صوت والده قال
والمبلغ ده مش كل اللي موجود.
سامية ردت بصوت متوتر
طب وإنت مخبي الباقي فين؟
ثواني صمت.
وبعدين قال
في المكان اللي خالد عمره ما هيفكر يدور فيه.
خالد وقف التسجيل فجأة.
الصالة غرقت في صمت ثقيل.
قلت
شغّله.
قال
لأ.
ليه؟
عشان لو اللي بعده زي اللي سمعناه يبقى أبويا كان مخبي عني حاجة كبيرة.
سامية بدأت تنتفض.
خالد، بلاش.
لف لها ببطء.
بلاش إيه؟
بلاش تسمع الباقي.
الجملة دي كانت كفاية.
خالد رجع مسك الموبايل.
وشغّل التسجيل.
وجاء صوت والده
لو حصل لي أي حاجة، المفتاح عند سامية.
خالد همس
مفتاح إيه؟
سامية غطت وشها بإيديها.
والتسجيل كمل
والمفتاح هيفتح الخزنة الموجودة في
وفجأة التسجيل انقطع.
خالد ضرب بإيده على الترابيزة.
إيه المكان؟!
أنا فتحت التسجيل على موبايلي.
ده آخر جزء عندي.
سامية قامت بسرعة واتجهت ناحية الباب.
خالد وقف قدامها.
رايحة فين؟
مش قادرة أكمّل.
لأ هتكملي.
بصتلي للحظة، وبعدين قالت
هي السبب.
استغربت.
أنا؟
لو ما دخلتيش حياتنا، ما كانش كل ده حصل.
خالد صرخ
كفاية!
لكنها ردت بجملة خلتني أسكت تمامًا
مراتك مش عارفة إن أبوك كان سايب لها حاجة.
خالد بصلي.
وأنا حسيت بقلبي بيدق بسرعة.
سايبلي إيه؟
سامية سكتت.
خالد قال
أمي اتكلمي.
لكنها ما ردتش.
وفجأة تليفون خالد رن.
بص للشاشة.
رقم غريب.
رد
ألو؟
ماحدش اتكلم.
وبعد ثواني جاء صوت رجل كبير في السن
خالد لو التسجيل وصل ليك، يبقى أمك أخيرًا اتزنقت.
خالد وقف مصدوم.
حضرتك مين؟
الصوت رد
الشخص الوحيد اللي يعرف أبوك كان مخبي إيه.
وبعدين قال جملة واحدة
ولو عايز تعرف الحقيقة، روحوا على عنوان قديم موجود في عقد البيت.
الخط اتقفل.
خالد فضل باصص للموبايل.
وأنا قلت
أي عقد؟
سامية انهارت على الكنبة.
لأنها كانت عارفة بالضبط أنهي عقد بيتكلم عنه خالد فتح درج المكتبة بسرعة، وبدأ يقلب في الأوراق القديمة.
عقود، إيصالات، شهادات، ملفات بنكية…
وأنا واقفة أراقبه، بينما سامية قاعدة ساكتة بشكل مخيف.
بعد لحظات، خالد طلع ملف بني قديم.
عقد البيت.
فتحه، وبدأ يقرا العنوان المكتوب في آخر صفحة.
فجأة سكت.
قلت
إيه؟
بصلي.
متابعة القراءة




