
4
سلفتي مقرفة حكايات زهرة
في الموضوع.
قال
لأنها قبل ما تموت، كتبت اسم الشخص اللي تثق فيه عشان يستلم حقها.
قلت
مين؟
رفع عينه ناحيتي.
إنتِ.
اتجمدت.
أنا؟!
إيمان حطت إيدها على بوقها.
بس نور ما كانتش تعرف الست دي أصلًا!
قال
كانت تعرفك.
هنا اتدخلت حماتي من ورا الباب
كفاية!
لفينا كلنا.
كانت واقفة ووشها مليان خوف.
مش غضب…
خوف.
جوز حماتي مسك العقد وقال
خلاص. لازم نور تعرف كل حاجة.
حماتي ردت بصوت مكسور
لو عرفت… هتكرهنا كلنا.
سألتها
أعرف إيه؟
سكتت.
وبعدين قالت جملة واحدة
الست دي ما ماتتش قبل ما تكتب اسمك…
وقفت لحظة.
هي سلّمتني رسالة مخصوص عشان أوصلها لك يوم ما تتجوزي ابني.
قلبي وقع.
مدت حماتي إيدها ناحية درج المطبخ.
وطلعت مفتاح صغير.
وقالت
والرسالة دي… لسه موجودة.
لكن قبل ما تمدهولي، سمعنا خبط شديد على باب البيت.
وخبطتين ورا بعض.
وبعدين صوت راجل من بره
افتحي يا أم محمد… أنا جاي آخد حق أمي الباب خبط تاني، وصوت الراجل من بره كان أعلى
افتحي يا أم محمد… أنا مش جاي أعمل مشكلة. أنا جاي آخد حق أمي وبس.
حماتي كانت واقفة مكانها، والمفتاح الصغير لسه في إيدها.
جوزها بص لها وقال
افتحي له.
هزت راسها بسرعة
لأ.
افتحي.
مش هفتح!
إيمان
قربت مني وهمست
ده ابن الست اللي في الصورة.
بصيت للباب، وبعدها لحماتي.
طب ليه حماتي خايفة منه؟
قبل ما حد يرد، المفتاح وقع من إيد حماتي.
وانحنت بسرعة تاخده، لكن جوزها سبقها.
رفع المفتاح وقال
المفتاح ده مش للدرج.
حماتي اتجمدت.
أمال لمين؟
قال وهو بيبصلي
لخزنة أبويا.
حسيت بقشعريرة.
خزنة؟ فين؟
حماتي بصتلي، وسكتت.
فجأة الراجل بره خبط بعنف وقال
لو ما فتحتوش، هضطر أجيب المحامي وأدخل رسمي!
جوز حماتي فتح الباب.
دخل راجل في أواخر التلاتينات، ماسك ملف أسود.
بص للصورة اللي على الترابيزة، وسكت.
وبعدين قال
دي أمي.
قرب من الصورة، ولمسها بإيده.
وأمي قالتلي قبل ما تموت إن عندكم حاجة تخصني.
حماتي ردت بسرعة
مفيش حاجة عندنا.
فتح الملف الأسود وطلع ورقة.
أمال الورقة دي إيه؟
جوز حماتي أخدها.
قرأ أول سطر…
وبعدين وشه اتغير.
مد الورقة ليّ.
نور… اقري بنفسك.
مسكت الورقة.
وكان مكتوب
أنا فلانة بنت فلان، أقر إن حقي في العقار لا يذهب لابني، وإنما يُسلَّم للسيدة نور…
ماكملتش.
رفعت عيني وأنا مش فاهمة
ليه أنا؟
الراجل بصلي وقال
لأن أمي قالت إنك الوحيدة اللي ساعدتيها من غير ما تعرفي هي مين.
اتصدمت.
أنا؟ أنا عمري ما ساعدت الست
دي!
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
لأ… ساعدتيها.
إمتى؟
سكت لحظة، وبعدين قال
يوم ما كنتِ صغيرة… في يوم المطر اللي وقع فيه طفل قدام بيتكم.
اتسعت عيني.
الذكرى رجعت فجأة.
طفل صغير كان بيعيط تحت المطر…
وأنا وقتها كنت لسه في المدرسة.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…
إن الطفل ده كان هو بصيت للراجل وأنا بحاول أفتكر.
وفجأة افتكرت اليوم ده.
كنت راجعة من المدرسة، ولقيت طفل صغير واقع في الشارع والمطر مغرقه. أخدته عندنا، وأمي غيرت له هدومه، وأنا فضلت جنبه لحد ما أهله وصلوا.
لكن ماكنتش أعرف إن المساعدة الصغيرة دي هتفضل في ذاكرة أمه لسنين.
الراجل قال
أمي عمرها ما نسيتك. ولما أبو جوزك مات، عرفت إن حماتك بتحاول تخفي حقها. فكتبت اسمك عشان كانت واثقة إنك مش هتظلميها.
بصيت لحماتي.
كانت ساكتة، ودموعها نازلة.
قالت
أنا غلطت يا نور.
جوزها رد عليها
غلطتي مش بس إنك خبيتي الورق… إنتِ حاولتي تطلعي نور من البيت عشان محدش يكتشف إن جزء من العقار حقها.
إيمان قالت
وعشان كده كنتِ بتخليها تكره البيت وتمشي بإرادتها؟
حماتي هزت راسها.
كنت خايفة. أبو محمد كان مديها حقها في الورق، وأنا افتكرت لو خرجت من البيت الموضوع هينتهي.
سألتها
وإنتِ
ليه ماقولتيش الحقيقة من الأول؟
بصتلي وقالت
عشان طمعنا… وخوفنا.
الراجل حط الملف قدامها.
أنا مش عايز البيت كله. أنا عايز حق أمي بس، والحق اللي أبوك كان معترف بيه.
وبعد أيام، اتراجعنا مع محامي، واتأكدنا من كل الأوراق، واتقسمت الحقوق رسميًا من غير ما حد ياخد حاجة مش بتاعته.
أما الجزء اللي كان باسم نور، ففضل من حقها قانونيًا.
لكن نور ماطردتش حماتها، ولا استخدمت اللي حصل عشان تنتقم.
قالت لها
أنا مش عايزة أعيش معاكي وأنا شايلة منك. بس كمان مش هسمح إن حقي يضيع.
ومن يومها اتغير البيت كله.
إيمان بطلت تستفز نور، وبدأت تهتم بنظافة البيت فعلًا، ومحمد نفسه بقى أول واحد يلتزم بالقواعد اللي اتفقوا عليها.
أما حماتي…
فكل ما كانت تشوفني، كانت تفتكر إن البنت اللي حاولت تطلعها من البيت هي نفسها البنت اللي أبو جوزها اختارها عشان تحفظ حق ناس ما تعرفهمش.
وفي يوم، حطت قدامي طبق أكل وقالت
أنا عارفة إن الاعتذار مش هيمسح اللي عملته… بس سامحيني.
بصيت لها وقلت
المسامحة حاجة، وضياع حقي حاجة تانية.
ابتسمت لأول مرة من غير خوف.
عندك حق.
وساعتها فهمت إن أقسى درس اتعلمته في البيت ده ماكانش عن النظافة، ولا عن الملكية، ولا عن الورق القديم.
كان عن حاجة أهم
إن السكوت على الغلط بيخلي الغلط يكبر… لكن لما تعرف حقك، تقدر تطلبه من غير ما تتحول لظالم.




