روايات وقصص

رجعت من السفر

رجعت من السفر عشان أفاجئ أمي، لكن أول ما شفتها ورا محل العيش، كانت بتدور في الزبالة على لقمة ناشفة!

وقفت مكاني وأنا مش قادر أصدق اللي شايفه. الست اللي كانت نازلة على ركبها وسط أكياس الزبالة، لابسة بلوفر قديم وجزمة مقطوعة، كانت أمي الحاجة زينب. أمي اللي بقالي 3 سنين، أول كل شهر، بحول لها 8 آلاف جنيه كاملة. أمي اللي وعدتها قبل ما أسافر: يا أمي، عمرك ما هتحتاجي لحد طول ما أنا عايش.

لكنها كانت واقفة قدامي دلوقتي بتدور على لقمة عيش ناشفة. ناديت عليها بصوت متقطع:

— أمي؟!

رفعت رأسها بسرعة، ولما شافتني اتوترت، وحاولت تخبي قطعة العيش ورا ضهرها. قلت لها:

— إنتِ بتعملي إيه هنا؟

سكتت شوية، وبعدين قالت:

— بدور على حاجة آكلها يا ابني.

حسيت إن الكلام نزل عليّ زي الصدمة.

— تدوري على الأكل هنا؟! وأنا ببعتلك 8 آلاف جنيه كل شهر!

بصت في الأرض وقالت:

— أنا ما وصلنيش منك جنيه واحد.

فضلت أبصلها وأنا مش فاهم:

— إزاي يعني؟ أنا كل شهر بحول الفلوس على نفس الحساب!

قالت بصوت ضعيف:

— الحساب مش معايا يا أدهم.

وقتها بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد مشكلة بنك. أخدتها وروحت بيها على البيت اللي اشتريته لها من سنتين. لكن المفاجأة كانت إن أمي ما دخلتش من الباب الرئيسي. مشت ناحية جنب البيت، وفتحت باب عشة صاج صغيرة. دخلت.

جوة العشة كان فيه سرير حديد قديم، وابور صغير، وكنبة متهالكة، ومكنة خياطة صدئة. بصيت لها وقلت:

— إنتِ عايشة هنا؟!

قالت:

— أختك قالت إن البيت كبير عليا، وإن وجودي جوه بيضايق عيالها.

في اللحظة دي سمعت صوت ضحك من جوه البيت. بصيت من الشباك. لقيت أختي شيرين قاعدة في الصالة، والتلفزيون شغال، وولادها بيلعبوا. والأغرب إن البيت كان متجدد بالكامل. أثاث جديد. أجهزة جديدة. حتى المطبخ اتغير.

قلت:

— مين سمح لكم تعيشوا هنا؟

خرجت شيرين وهي متوترة، ووراها جوزها سامح. قالت:

— إنت رجعت فجأة ليه؟

رديت:

— دي أمي اللي المفروض تسأليني عنها؟ ولا البيت كمان بقى ملككم؟

سامح تدخل وقال:

— يا أدهم، ما تكبرش الموضوع. إحنا عيلة واحدة.

طلعت موبايلي وفتحت التحويلات. 8 آلاف جنيه كل شهر، 36 شهر. يعني أكتر من 280 ألف جنيه. بصيت لأختي:

— الفلوس دي راحت فين؟

وشها اتغير. قالت:

— ماما كانت بتديني الفلوس أحوشها لها.

أمي رفعت رأسها بسرعة:

— أنا؟! أنا ما شفتش جنيه!

ساد الصمت. وفي اللحظة دي، وقع ظرف من إيد سامح. نزلت أخده. كان عليه اسم أمي بالكامل. فتحته. جواه صورة عقد، وإيصالات، وتوكيل. قرأت أول سطر واتجمدت. العقد كان خاص ببيت أمي. والبيت كان مستخدم كضمان لدين كبير.

قلت:

— إيه ده؟

سامح حاول ياخد الورق مني. لكنني بعدته عنه. أمي بدأت ترتجف وقالت:

— أنا وقعت على ورق من فترة، شيرين قالتلي إنه ورق معاش وتأمين.

بصيت لأختي:

— إنتِ خليتي أمي تمضي على رهن البيت؟!

شيرين بدأت تعيط:

— والله ما كنت أقصد أضيع البيت!

قلت:

— أمال قصدك إيه؟

سكتت. وبعد لحظات قالت:

— سامح كان عليه ديون.

بصيت لجوزها:

— وإنت استخدمت بيت أمي عشان تسدد ديونك؟

سامح ما ردش. طلعت آخر ورقة من الظرف. وكان عليها موعد السداد. بعد 18 يومًا فقط. لو المبلغ ما اتدفعش، إجراءات بيع البيت هتبدأ.

بصيت لأمي. الست اللي قضت عمرها تخيط للناس عشان تعلمني، كانت ممكن تخسر بيتها بسبب ورق اتخدعَت فيه. لكن قبل ما أتكلم، دخلت بنت أختي الصغيرة من باب الصالة. كانت ماسكة كراسة قديمة. وقالت:

— خالو أدهم، أنا لقيت دي في درج ماما.

فتحت الكراسة قدامي. كانت فيها كل التحويلات اللي أنا بعتها خلال السنين. لكن الغريب إن جنب كل شهر كان مكتوب: استلمت شيرين. وبعض المبالغ كان جنبها ملاحظات: قسط العربية. أجهزة البيت. سداد دين سامح.

وقفت وأنا مش قادر أتكلم. لأن اللي فهمته وقتها إن أمي ما كانتش بس محرومة من فلوسي، دي كانت بتتسجل باسمها مصاريف ما اشترتهاش أصلًا. رفعت عيني لأختي وقلت:

— من النهارده، كل حاجة هتتراجع.

شيرين قالت بخوف:

— هتعمل إيه؟

رديت بهدوء:

— هعرف الفلوس راحت فين، وهعرف مين اللي وقّع أمي على الورق، والأهم، هعرف ليه الدين ده اتكتب باسمها.

لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن الدين نفسه كان وراه سر أكبر من الفلوس. سر متعلق بورقة قديمة جدًا، كانت أمي محتفظة بيها من يوم وفاة أبويا. ولو الورقة دي ظهرت، هتتغير حكاية البيت كلها.

في اليوم التالي، أخدت أمي وروحنا البنك. كنت عايز أتأكد بنفسي من كل جنيه حولته لها خلال السنين. الموظف طبع لنا كشف حساب طويل. فضلت أقلب في الصفحات، لحد ما لقيت أول تحويل. 8 آلاف جنيه. والشهر اللي بعده 8 آلاف. واللي بعده كمان. كل شهر المبلغ كان بيوصل في ميعاده.

لكن المفاجأة إن السحب كان بيتم في نفس اليوم تقريبًا. سألت الموظف:

— مين كان بيسحب الفلوس؟

راجع البيانات وقال:

— البطاقة كانت بتُستخدم في عمليات سحب وشراء.

بصيت لأمي:

— ماما، البطاقة كانت معاكي؟

هزت رأسها:

— لا يا ابني، شيرين قالتلي إنها هتستلمها بدل مني عشان أنا مش بعرف أتعامل مع الماكينة.

هنا بدأت الصورة تكتمل. أختي كانت بتستلم فلوسي. لكن كان لازم أعرف حاجة أهم. الفلوس راحت فين؟

رجعنا البيت، ولما دخلت الصالة، شيرين كانت قاعدة لوحدها. حطيت كشف الحساب قدامها. وقلت:

— أنا مش هزعق ولا هعمل مشكلة. عايز أعرف بس كل جنيه من فلوسي راح فين؟

السابق1 من 8
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى