
فضلت ساكتة. قلت:
— عربية جديدة؟ أجهزة؟ أقساط؟ ولا ديون سامح؟
رفعت عيني وقالت:
— أنا كنت بحاول أنقذ البيت.
استغربت:
— بيت مين؟
قالت:
— بيت ماما.
سكت شوية:
— إزاي؟
بدأت تحكي. قبل سنتين، سامح دخل في مشروع صغير، وخسر جزء كبير من فلوسه. وبعدها تراكمت عليه ديون. أصحاب الديون بدأوا يطالبوه بفلوسهم. فطلب من شيرين إنها تساعده. شيرين خافت على أولادها. وبدل ما تقول لي، بدأت تستخدم جزء من التحويلات اللي كنت ببعتها لأمي. لكن الديون كبرت. وفي النهاية، سامح أقنعها إن الحل الوحيد هو استخدام بيت أمي كضمان.
قلت:
— وإنتِ وافقتي؟
قالت وهي بتعيط:
— كنت فاكرة إننا هنفك الرهن قبل ما ماما تعرف.
بصيت لأمي. كانت ساكتة. ثم قالت جملة وجعتني:
— أنا كنت عارفة إن فيه حاجة غلط، بس ما كنتش عايزة أصدق إن بنتي ممكن تعمل كده.
وقتها سمعت صوت سامح من الباب:
— كفاية بقى.
دخل وهو متوتر. حطيت قدامه الورق. وقلت:
— إحنا مش هنختلف على الكلام. الورق هو اللي هيتكلم.
طلع سامح ورقة من جيبه. وقال:
— قبل ما تحكم عليا، شوف دي.
أخدت الورقة. كانت قديمة. جدًا. وكان عليها توقيع والدي. قرأت أول سطر، وشعرت إن الدنيا وقفت. الورقة كانت بتثبت إن البيت اللي أنا اشتريته لأمي كان أصلًا مبني على قطعة أرض مسجلة باسم والدي من زمان. لكن فيه اسم شخص آخر ظاهر في نهاية العقد. شخص ما أعرفوش.
سألت:
— مين ده؟
أمي بدأت ترتجف. قالت:
— ده أخو أبوك.
اتصدمت:
— عمي؟
هزت رأسها:
— أبوك قبل ما يموت كان مختلف معاه على الأرض دي.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— لكن أبوك كان سايب ورقة عندي، وقال لي ما أطلعهاش غير لما يحصل خطر على البيت.
قلت:
— والورقة فين؟
دخلت أمي العشة القديمة. فتحت صندوق خشب صغير. طلعت منه ظرف أصفر. كان عليه اسم والدي بخط إيده. فتحته. جواه عقد قديم وإيصال دفع كامل. قرأته مرة ومرتين. ثم قلت:
— يعني الأرض دي ما كانتش من حق عمي أصلًا؟
أمي قالت:
— أبوك دفع تمنها بالكامل، لكنه ما لحقش يكمل إجراءات التسجيل.
فهمت وقتها ليه البيت دخل في كل التعقيدات دي. لكن كان فيه سؤال أهم: طيب الرهن اللي عملتوه اتعمل على إيه بالضبط؟
سكت سامح. وهنا ظهر أول دليل حقيقي على التلاعب. العقد اللي أمي مضت عليه لم يكن عقد رهن عاديًا. كان فيه بند إضافي لم يتم شرحه لها. وبحسب الأوراق، كان من الممكن استخدامه للمطالبة بالبيت في حالة عدم السداد.
قلت لشيرين:
— إنتِ كنتِ عارفة؟
قالت:
— لا.
بصيت لسامح. لكنه لم يرد. في اللحظة دي، دخلت بنت شيرين وهي ماسكة تليفون أبوها. وقالت:
— بابا، هو ده اللي كنت بتكلم عنه امبارح؟
سامح اتجمد. أنا بصيت له:
— بتتكلم عن إيه؟
البنت ردت بعفوية:
— كان بيقول لحد في التليفون إن خالو أدهم لو عرف إن الفلوس اتسحبت من حساب جدتي، الموضوع هيكبر.
سكت البيت كله. سامح حاول ياخد منها التليفون. لكنني قلت:
— سيبه.
لأول مرة، شيرين نفسها بصت لجوزها بشك. وقالت:
— إنت كنت مخبي عني إيه؟
سامح لم يرد. وهنا عرفت إن اللي حصل مش مجرد ديون. فيه شخص آخر كان بيحرك الموضوع من البداية. والشخص ده كان يعرف حساب أمي، وميعاد التحويلات، وأوراق البيت.
وفي نفس الليلة، وصلني اتصال من محامي العيلة. قال جملة واحدة:
— يا أدهم، أنا لقيت حاجة في سجلات الأرض لازم تشوفها بنفسك.
وساعتها فهمت إن حكاية الـ8 آلاف جنيه كانت مجرد بداية. لأن الحقيقة الأكبر كانت مستخبية في ملف الأرض من سنين.
في صباح اليوم التالي، رحت لمكتب المحامي وأنا شايل كل الأوراق اللي لقيتها. أول ما دخلت، لقيته حاطط قدامه ملف كبير. قال لي:
— الملف ده خاص بالأرض اللي البيت مبني عليها.
قعدت قدامه وقلت:
— قول لي الحقيقة من غير لف.
فتح الملف، وطلع صورة من عقد قديم. وقال:
— والدك اشترى الأرض دي فعلًا، وكان معاه إيصالات تثبت إنه دفع تمنها بالكامل.
تنفست براحة. لكن المحامي كمل:
— المشكلة إن إجراءات التسجيل ما اكتملتش.
قلت:
— وده معناه إن عمي يقدر يطالب بيها؟
قال:
— كان ممكن يحاول، لكن فيه ورقة تانية غيرت الموضوع.
طلع ورقة صغيرة. كان عليها توقيع والدي. قرأتها، وفهمت إن أبويا قبل وفاته كان قد أنهى اتفاقًا مكتوبًا مع أخوه، يثبت أن الأرض أصبحت من حق أمي وأولادها مقابل مبلغ تم دفعه بالفعل.
قلت:
— طيب ليه عمي كان بيطالب بيها؟
المحامي هز رأسه:
— لأنه ما كانش معاه النسخة الأصلية.
بصيت له:
— يعني؟
قال:
— النسخة الأصلية كانت عند والدتك.
وقتها فهمت ليه أمي كانت محتفظة بالظرف الأصفر كل السنين دي. لكن المحامي فاجأني بسؤال:
— مين قال لك إن البيت مهدد بالبيع؟
قلت:
— أختي وجوزها.
رد:
— الغريب إن الدائن المذكور في ورقة الرهن مش هو الشخص اللي كان سامح مدين له أصلًا.
سكت:
— يعني إيه؟
قال:
— يعني الدين اللي اتكتب على البيت محتاج مراجعة قانونية كاملة.
رجعت البيت وأنا ماسك الملف. لقيت أمي قاعدة في العشة. قعدت جنبها وقلت:
— ماما، أنا محتاج منك حاجة واحدة بس: كل الأوراق اللي أبويا سابهالك.
قالت:
— دي كل الأوراق.
فكرت لحظة. ثم قالت:
— استنى.
دخلت العشة وفتحت صندوق قديم. طلعت منه صورة قديمة لوالدي، ومعاها مفتاح صغير. قالت:
— أبوك كان دايمًا يقول لي إن فيه درج في مكنة الخياطة القديمة ما ينفعش يتفتح غير وقت الضرورة.
بصيت لمكنة الخياطة. حركناها. وكان فعلًا فيه درج صغير مستخبي. دخلت المفتاح. فتحته. جواه ورقة مطوية بعناية. فتحتها. كانت رسالة بخط والدي. قرأتها بصوت مرتفع:
— يا زينب، لو في يوم حد حاول ياخد البيت منك أو يقول لك إن الأرض مش ملكك، ما توقعيش على أي ورقة قبل ما تعرضيها على محامي. أنا دفعت كل اللي عليا، والنسخة الأصلية من الاتفاق موجودة معاك.
بصيت لأمي. قالت:
— أنا ما كنتش فاهمة قيمة الورقة.
قلت:
— دلوقتي فهمت.
وفي نفس اللحظة، دخلت شيرين. كانت عينيها مليانة دموع. قالت:
— أدهم، أنا لازم أقول لك الحقيقة.
سكت. قالت:
— سامح ما قالليش كل حاجة.




