روايات وقصص

رجعت من السفر

رفعت رأسي:

— يعني إيه؟

قالت:

— الدين أكبر من اللي كنت أعرفه.

— قد إيه؟

قالت رقمًا جعلني أصمت. المبلغ كان ضخمًا. لكن المفاجأة لم تكن في قيمة الدين. المفاجأة كانت في اسم الدائن. كان نفس الشخص الموجود في أوراق الرهن.

قلت:

— مين الشخص ده؟

شيرين ردت:

— واحد سامح كان بيتعامل معاه في شغله.

قلت:

— طيب ليه استخدم بيت ماما؟

شيرين بدأت تبكي وقالت:

— لأن سامح كان فاكر إن البيت مش هيكون عليه اعتراض.

وقبل ما تكمل، سمعنا خبط شديد على الباب. خرجنا. كان فيه رجل واقف ومعاه ملف. قال:

— أنا جاي بخصوص البيت.

بصيت له وقلت:

— إنت مين؟

قال:

— ممثل صاحب الدين.

فتحت الملف اللي معايا وقلت:

— وأنا صاحب البيت.

ابتسم وقال:

— إحنا عندنا عقد موقع من والدتك.

رفعت الورقة القديمة في إيدي. وقلت:

— وإحنا عندنا مستندات بتثبت إن العقد ده فيه مشكلة.

اتغيرت ملامحه. قلت له:

— من النهارده، أي خطوة هتتعمل هتكون عن طريق المحامين.

مشي الرجل من غير ما يرد. لكن قبل ما يركب عربيته، بص لسامح نظرة طويلة. النظرة دي خلتني أشك أكتر.

دخلت البيت وقفلت الباب. وبصيت لأختي:

— شيرين، من فضلك، عايز كل الحقيقة.

سكتت طويلًا. ثم قالت:

— في حاجة سامح مخبيها عنك.

— إيه؟

قالت:

— هو ما استلفش الفلوس كلها لنفسه.

اتجمدت مكاني:

— أمال استلفها لمين؟

شيرين بصت ناحية أمي. وقالت:

— عشان يسدد فلوس شخص تاني، والشخص ده هو اللي كان عايز يوصل لبيت ماما من البداية.

هنا أدركت إن الموضوع ما بقاش مجرد أخت استغلت فلوس أمها. كان فيه مخطط مالي كامل، والبيت كان هو الهدف الحقيقي. لكن المفاجأة الأكبر كانت إن الشخص اللي يقف وراء كل ده كان شخصًا تعرفه أمي منذ سنوات طويلة.

في اللحظة اللي المحامي قال فيها إن الإيصال الأصلي مع الحاج فوزي، حسيت إن كل الخيوط بدأت تتجمع. قلت له:

— يعني الراجل معاه الورقة اللي ممكن تثبت إن الأرض بتاعت أمي؟

رد:

— أيوه، وده معناه إن لازم نتحرك بالقانون بسرعة.

رجعت البيت، ولقيت أمي قاعدة في العشة قدام مكنة الخياطة القديمة. قالت لي:

— عرفت حاجة؟

قعدت جنبها وقلت:

— عرفت إن أبويا كان سايب حقك محفوظ، بس الورق محتاج يتراجع رسميًا.

قالت:

— أنا مش عايزة فلوس يا أدهم، أنا عايزة بس أعيش في بيتي من غير ما أخاف.

قلت لها:

— وده اللي هيحصل.

في نفس الليلة، اتصلت بالحاج فوزي. قلت له:

— عايز أقابلك.

رد بهدوء:

— مفيش مشكلة.

اتفقنا نتقابل في مكتبه. دخلت وأنا معايا المحامي. الحاج فوزي كان قاعد ورا مكتبه، وحاطط قدامه ملف بني. قال:

— أنا عارف إنت جاي ليه.

قلت:

— يبقى خلينا نتكلم بصراحة.

فتح الملف وطلع الإيصال. حطه قدامي. وقال:

— الورقة دي مش هتطلع من هنا.

المحامي قال:

— دي مستند مهم في نزاع قائم، ووجودها لازم يكون ضمن الإجراءات القانونية.

فوزي ابتسم وقال:

— أنا ما عملتش حاجة غلط.

قلت:

— لو مش عامل حاجة غلط، ليه كنت محتفظ بيها كل السنين دي؟

سكت. ثم قال:

— لأن والدك كان عليه التزامات.

المحامي رد فورًا:

— الالتزامات دي لا تمنحك حق التصرف في ملكية ليست باسمك.

فوزي اتغيرت ملامحه. وبدأ يتكلم عن ديون سامح. قلت:

— سيبك من سامح. إحنا بنتكلم عن أمي وبيتها.

في اللحظة دي، دخل شخص آخر المكتب. كان موظفًا قديمًا عند فوزي. حط ظرف على المكتب وقال:

— الحاج، دي الأوراق اللي طلبتها.

بصيت للظرف. وكان عليه اسم والدي. فوزي اتوتر. قلت:

— إيه ده؟

حاول يخبي الظرف. لكن المحامي طلب منه رسميًا تقديم المستندات ضمن الإجراءات. بعد دقائق، ظهرت ورقة جديدة. كانت عبارة عن مخالصة قديمة. وتثبت إن والدتي لم تكن مدينة لفوزي بأي مبلغ. والأهم إنها كانت مؤرخة قبل سنوات طويلة من الدين الذي حاولوا تحميله عليها.

المحامي بص لي وقال:

— ده مستند مهم جدًا.

فوزي حاول يبرر:

— دي معاملات قديمة.

قلت:

— لكنها بتثبت إنك كنت عارف إن الأرض والبيت لهم وضع قانوني مختلف.

لم يرد.

في اليوم التالي، قدمنا المستندات للجهات المختصة، وبدأت مراجعة العقد والتوكيل وعمليات السحب. وبعد أيام، ظهرت النتيجة الأولية: أمي لم تكن قد وافقت على بيع البيت، وإنما وقعت على مستند لم يتم شرح طبيعته لها بشكل واضح، بينما كانت التحويلات المالية التي أرسلها أدهم قد سُحبت بواسطة شيرين على مدار الشهور.

شيرين اعترفت بكل شيء. وقالت إنها مستعدة ترجع كل مبلغ تقدر عليه. أما سامح، فبدأت ضده إجراءات قانونية بسبب المستندات والمعاملات المالية محل النزاع.

لكنني لم أترك أختي. قلت لها:

— أنا مش هسيبك، بس لازم تصلحي غلطك.

باعت بعض الأشياء التي اشترتها من الفلوس، وبدأت تسدد جزءًا من المبلغ لأمي. أما أنا، ففتحت حسابًا جديدًا باسم أمي وحدها. وطلعت لها بطاقة جديدة. وقلت:

— من النهارده، أي جنيه يخصك يكون تحت إيدك إنتِ.

أمي مسكت البطاقة وبصت لها طويلًا. وقالت:

— أنا مش مصدقة إنك عملت كل ده عشاني.

ابتسمت وقلت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى