
— ده حقك يا أمي مش فضل مني.
بعد أسابيع، انتهت الإجراءات الخاصة بالبيت، وتم وقف محاولة التصرف فيه لحين حسم باقي المستندات. وبعد مراجعة الأوراق القديمة، ثبت أن لوالدي حقوقًا موثقة في الأرض، وأن أمي لها حق قانوني في العقار وفق المستندات المقدمة.
وفي أول يوم رجعنا فيه للبيت، فتحت أمي الباب الرئيسي لأول مرة من شهور. دخلت. بصت للصالة. ثم للمطبخ. ثم للشجرة اللي في النص. وقالت:
— أنا كنت فاكرة إني مش هشوف البيت ده تاني.
قلت لها:
— ده بيتك.
وبعدها حصل شيء لم أتوقعه. أختي شيرين وقفت عند الباب. كانت منهارة من الندم. وقالت:
— ماما، أنا غلطت.
أمي سكتت طويلًا. ثم قالت:
— الغلط له حساب، بس الدم ما يبقاش مية.
شيرين بدأت تصلح اللي أفسدته، وابتدت حياة جديدة بعيدًا عن استغلال أمي أو مالها. أما أنا، ففضلت أراجع حسابات التحويلات شهرًا وراء شهر. واكتشفت إن مجموع الفلوس اللي أرسلتها خلال 3 سنين كان أكبر بكثير مما كنت متخيل.
لكن أغلى حاجة اكتشفتها لم تكن في كشف الحساب. كانت حقيقة واحدة: أحيانًا الإنسان يفتكر إنه بيأمّن مستقبل أهله بالفلوس، لكن أهم أمان هو إنه يتأكد إن الفلوس فعلًا وصلت للشخص اللي بيحبّه.
ومن يومها، أمي لم تعد تنتظر تحويلًا من أي أحد. أنا جعلت لها دخلًا ثابتًا وحسابًا خاصًا بها، وبقي البيت باسمها وتحت حمايتها القانونية. أما العشة الصاج، فلم تعد مكانًا تعيش فيه. حولتها أمي لمكان صغير لمكنة الخياطة القديمة. وكلما دخلت عليها، كانت تشير إلى المكنة وتقول:
— دي اللي ربتك يا أدهم.
فأرد عليها:
— وإنتِ اللي ربيتيني، واللي عملتيه عشاني عمره ما يتقاس بفلوس.
أمي أول ما سمعت الجملة، وشها اتغير. قلت لها:
— ماما إنتِ تعرفي الشخص ده؟
فضلت ساكتة. وبعد لحظات قالت:
— أيوه.
قربت منها وقلت:
— مين؟
ردت بصوت متردد:
— الحاج فوزي، صاحب محل الأدوات الكهربائية اللي كان أبوك بيتعامل معاه زمان.
اتصدمت:
— فوزي؟! الراجل اللي كان بييجي البيت زمان؟
هزت رأسها:
— هو.
دخلت شيرين في الكلام:
— سامح كان بيتعامل معاه في شغله. ولما خسر فلوسه، الحاج فوزي قال له إنه يقدر يساعده بس مقابل ضمان.
قلت:
— وضمان إيه؟
شيرين نزلت عينيها:
— بيت ماما.
سألتها:
— وإنتِ وافقتي؟
قالت:
— أنا كنت فاكرة إننا هنحل المشكلة بسرعة. سامح قال لي إن الفلوس هترجع خلال كام شهر.
بصيت لأمي:
— طيب ليه فوزي كان مصر على البيت بالذات؟
أمي ردت:
— عشان الأرض دي غالية.
هنا فهمت. الموضوع ما كانش مجرد دين. فوزي كان عارف قيمة الأرض، وعارف إن أوراقها القديمة مش مكتملة التسجيل. وكان شايف إن أسهل طريقة يوصل بيها للبيت هي إنه يحط أمي في موقف مالي صعب.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه محيرني: إزاي عرف إنك بتستلمي 8 آلاف كل شهر؟
شيرين سكتت. بصيت لها. قالت:
— أنا اللي قلت له.
صمت البيت. قلت:
— إنتِ عملتي إيه؟
قالت وهي بتبكي:
— لما طلب مني سامح أستلف، قلت له إن أدهم بيبعت لماما فلوس كل شهر، وإن ممكن نستخدم جزء منها لحد ما الأزمة تعدي.
وقتها حسيت إن غضبي وصل لأقصى درجة. لكن أمي قالت بهدوء:
— ما تزعلش منها يا ابني.
بصيت لها:
— بعد كل اللي حصل؟
قالت:
— هي غلطت، بس أنا مش عايزة أخسر بنتي كمان.
سكت. كنت غاضبًا من شيرين، لكن كلام أمي خلاني أهدى. قلت:
— الغلط هيتصلح، بس لازم كل واحد يتحمل مسؤوليته.
في اليوم التالي، رجعت مع المحامي للبنك. قدمنا كل المستندات، وبدأنا إجراءات رسمية لمراجعة عمليات السحب والتوكيلات. وبعدها توجهنا لمصلحة الشهر العقاري لمراجعة أوراق البيت. وهناك ظهرت المفاجأة.
الموظف طلع سجل قديم وقال:
— فيه طلب سابق متعلق بنفس الأرض.
سألته:
— مقدم من مين؟
قال اسمًا جعلني أنظر لأمي: الحاج فوزي. لكن الطلب كان من سنوات، قبل حتى ما شيرين تتجوز سامح. يعني الرجل كان مهتم بالأرض من زمان.
المحامي بص لأمي وقال:
— هل والدك كان يعرف فوزي؟
أمي ردت:
— أيوه، وكان بينهم خلاف قديم.
سألتها:
— خلاف على إيه؟
تنهدت وقالت:
— أبوك كان بايع له محل قديم، وفوزي حاول بعد كده يثبت إن البيع يشمل جزء من الأرض اللي عليها البيت.
فهمت وقتها الصورة. فوزي لم يكتشف البيت صدفة. كان يعرف قصة الأرض من أيام أبي. ولما ظهرت فرصة الدين، حاول يستغلها.
لكن لسه كان فيه شيء ناقص. قلت للمحامي:
— عايز أعرف مين اللي عمل الرهن بالضبط.
راجع الأوراق. ثم قال:
— هنا المفاجأة.
ناولني نسخة من العقد. التوقيع الموجود لم يكن توقيع أمي فقط. كان فيه توقيع آخر كشاهد. اسم الشاهد: سامح. لكن بجوار توقيعه كانت هناك ملاحظة مكتوبة بخط اليد. قرأها المحامي وقال:
— التوقيع تم في منزل الدائن.
رفعت عيني:
— يعني أمي ما مضتش في بيتها؟
قال:
— واضح.
هنا بدأنا نشك إن أمي لم تكن تعرف طبيعة الورقة أصلًا. قررنا نطلب نسخة كاملة من الملف. وبالفعل، بعد ساعات من الإجراءات، حصلنا عليها. وأول ما شفت الصفحة الأخيرة، اتجمدت. كان فيها إقرار مكتوب بخط يد سامح نفسه. والإقرار بيقول إن جزءًا من الأموال التي حصل عليها كان سيتم سداده من التحويلات الشهرية التي يرسلها أدهم إلى والدته. لكن المفاجأة الحقيقية كانت في آخر سطر. كان مكتوب:
— وفي حالة عدم السداد، تنتقل ملكية العقار إلى الدائن وفقًا للاتفاق.
بصيت لأختي. وقلت:
— إنتِ كنتِ عارفة إن البيت ممكن يضيع؟




