روايات وقصص

رجعت من السفر

انهارت في البكاء:

— والله ما كنت أعرف.

لكن سامح كان واقفًا بعيدًا، ساكتًا تمامًا. اقتربت منه. وقلت:

— إنت كنت عارف.

ما ردش. كررّت:

— كنت عارف إن البيت ممكن يضيع.

فضل ساكت. ثم قال:

— كنت فاكر إن الموضوع هيتحل.

قلت:

— وكنت ناوي تقول لأمي إمتى؟ بعد ما البيت يروح؟

لم يرد. وفي اللحظة دي، رن تليفوني. كان المحامي. قال:

— أدهم، عندي خبر مهم: لقينا مستند جديد، والمستند ده ممكن يغير موقف البيت بالكامل.

سألته:

— إيه هو؟

قال:

— إيصال أصلي موقع من فوزي نفسه، يثبت إن الأرض تم تسوية ثمنها مع والدك من زمان.

قفلت المكالمة وأنا مش مصدق. لأول مرة من يوم ما رجعت، حسيت إن فيه أمل حقيقي. لكن المحامي أضاف قبل ما يقفل:

— بس فيه حاجة لازم تعرفها: الإيصال مش موجود عندنا وحدنا.

سألته:

— مين معاه؟

قال:

— الحاج فوزي.

وهنا فهمت إن المعركة الحقيقية لسه ما بدأتش.

بعد سنة كاملة، كنت راجع من القاهرة في زيارة مفاجئة لأمي. وأول ما دخلت الشارع، لاحظت حاجة غريبة. العشة القديمة اختفت. مكانها كان فيه أوضة صغيرة مبنية بالطوب، وشباكها مفتوح على شجرة الليمون.

دخلت البيت، لقيت أمي قاعدة قدام المكنة القديمة. قلت لها:

— ماما مين عمل الأوضة دي؟

ضحكت وقالت:

— أنا.

استغربت:

— إنتِ؟

قالت:

— أيوه. من فلوس شغلي.

بصيت لها باستغراب. قالت:

— رجعت أخيط تاني، بس المرة دي مش عشان أسدد مصاريف البيت.

وأشارت إلى مجموعة من الملابس المرتبة بجوارها:

— بقيت أخيط حاجات بسيطة للناس اللي حوالينا، وبحوش جزء من اللي بكسبه.

ضحكت وقلت:

— وإنتِ محتاجة فلوس ليه؟ أنا موجود.

هزت رأسها وقالت:

— أنا عارفة يا ابني، بس الواحد لازم يحس إن له مصدر رزق بإيده.

الكلمة دي فرحتني أكتر من أي شيء.

بعدها دخلت شيرين. كانت شايلة كيس أكل. قالت:

— ماما، جبتلك الطلبات اللي ناقصة.

أمي أخذت الكيس وقالت:

— حطيهم في المطبخ.

بصيت لشيرين. كانت مختلفة تمامًا عن الست اللي قابلتها قبل سنة. لا عربية جديدة. ولا مشتريات بلا حساب. ولا محاولات لإخفاء شيء. قالت لي:

— أنا خلصت جزء كبير من اللي عليا.

قلت:

— كملي، بس من غير ما تضغطي على نفسك.

ردت:

— عارفة.

ثم أضافت:

— أنا اتعلمت.

سكتنا لحظة. وفجأة سمعت صوت طفل من الشارع:

— يا حاجة زينب!

أمي قامت بسرعة. كان ولد صغير من الجيران ماسك رغيف عيش. قال لها:

— ده ليكي.

ضحكت وقالت:

— ليه؟

رد:

— ماما قالتلي إنك بتحبي العيش البلدي.

أمي أخذت الرغيف، وبصت لي. ابتسمت. وقالت:

— شايف؟ الدنيا اتغيرت.

قلت:

— إنتِ اللي اتغيرتي.

قالت:

— لا يا ابني، أنا بس بطلت أخاف.

وفي المساء، قعدنا كلنا تحت شجرة الليمون. أمي طلعت صورة قديمة لأبويا. حطتها جنبها وقالت:

— كان نفسه يشوفكم كبار.

بصيت للصورة وقلت:

— أكيد كان هيكون فخور بيكي.

ابتسمت وقالت:

— المهم إن البيت فضل لأولاده.

وبصيت للبيت. وفهمت إن البيت ما كانش مجرد حيطان. كان آخر حاجة أبويا سابها لأمي. وكان مسؤوليتنا نحافظ عليها.

أما الـ8 آلاف جنيه، فما بقيتش مجرد فلوس بتحولها كل شهر. بقيت رمز لحاجة أهم: إن الاهتمام الحقيقي مش إنك تبعت فلوس وتفتكر إن كل شيء تمام. الاهتمام إنك تسأل. تسمع. وتتأكد إن الشخص اللي بتحبه عايش بكرامة.

ومن يومها، كل ما حد يسألني: إيه أكتر موقف غير حياتك؟ أفتكر اليوم اللي شفت فيه أمي بتدور على لقمة في الزبالة. وأفتكر الجملة اللي قالتها لي بعدها بسنة:

— يا ابني، أنا ما كنتش محتاجة الـ8 آلاف قد ما كنت محتاجة أعرف إن ابني لسه فاكرني.

ومن يومها، ما بقيتش أكتفي إني أبعت. بقيت أروح بنفسي.

مرت شهور على اللي حصل، والبيت رجع هادي تاني. أمي بقت عايشة في أوضتها اللي اختارتها بنفسها، والشباك قدامها على شجرة الليمون. أما شيرين، فكانت بتحاول تصلح اللي عملته. كل شهر كانت بتحط جزء من دخلها في حساب أمي، لحد ما ترجع لها أكبر قدر ممكن من الأموال اللي استخدمتها من غير حق. أما سامح، فكانت الإجراءات القانونية مستمرة ضده، وكل واحد بقى مسؤول عن تصرفاته.

وفي يوم، رحت لأمي وأنا شايل ظرف. قالت:

— إيه ده؟

قلت:

— افتحيه.

فتحت الظرف، لقت فيه عقد جديد. بصت لي باستغراب. قلت:

— أنا كتبت البيت باسمك رسميًا بعد مراجعة كل الأوراق.

سكتت. وبعدين قالت:

— بس البيت أصلًا بيتي.

ضحكت وقلت:

— عارف. أنا بس عايز كل حاجة تبقى واضحة ومثبتة، عشان محدش يقدر يستغل طيبتك تاني.

مسكت الورق وقالت:

— ربنا يرضى عليك يا ابني.

وبعدها بأيام، عملت أمي حاجة محدش كان متوقعها. طلبت من شيرين تيجي تقعد معاها. شيرين كانت مترددة. لكن أمي قالت:

— تعالي.

دخلت شيرين. أمي قالت لها:

— أنا مش هنسى اللي حصل.

شيرين نزلت عينيها. أمي كملت:

— لكن أنا كمان مش عايزة أفضل طول عمري أعيش في الخوف والغضب.

شيرين بدأت تبكي. أمي قالت:

— إنتِ بنتي، بس الثقة مش بترجع بالكلام. بترجع بالأفعال.

ومن اليوم ده، شيرين بدأت تتغير فعلًا. بقت تسأل على أمها من غير ما تطلب منها فلوس. وبقت تساعدها في البيت. ولما احتاجت أمي تروح للدكتور، كانت شيرين أول واحدة تروح معاها.

أما أنا، فقررت أعمل حاجة كنت مأجلها من سنين. فتحت لأمي حسابًا مستقلًا، وحطيت فيه مبلغًا يكفي مصاريفها، وعلمتها بنفسها إزاي تستخدم البطاقة. قلت لها:

— مفيش حد ياخدها منك تاني.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى