روايات وقصص

رجعت من السفر

وبعد فترة، المشروع كبر. بقت أمي تعلم بنات صغيرين الخياطة، وتديهم جزء من الشغل. وفي يوم، رجعت من القاهرة ولقيت قدام البيت يافطة صغيرة مكتوب عليها: “ورشة الحاجة زينب للخياطة”. وقفت قدامها وأنا بضحك. أمي خرجت وقالت:

— إيه رأيك؟

قلت:

— إنتِ بقيتي صاحبة مشروع كمان؟

قالت:

— أهو بدل ما أكون ست قاعدة مستنية الفلوس.

قلت:

— بس أنا هفضل أبعتلك مصاريفك.

ردت:

— ابعت يا ابني، بس المرة دي الفلوس هتدخل حسابي وأنا اللي أقرر أعمل بيها إيه.

ضحكت. اتفقنا.

وفي نفس اليوم، جالي اتصال من المحامي. قال:

— أدهم، القضية خلصت.

قلت:

— خير؟

قال:

— كل المستندات اتراجعت، وحقوق والدتك في البيت اتثبتت بشكل نهائي، ومحاولة التصرف في العقار انتهت.

قفلت المكالمة وأنا مرتاح. دخلت لأمي وقلت:

— خلاص يا أمي، البيت بقى في أمان.

بصت للبيت وقالت:

— هو كان في أمان طول ما الحق معانا.

ثم رجعت لمكنة الخياطة. وأنا واقف أتفرج عليها، افتكرت اليوم اللي لقيتها فيه بتدور وسط أكياس الزبالة. نفس الست. نفس المكان. لكن الفرق إن المرة دي كانت واقفة على رجليها، بتشتغل بإيدها، وبتساعد غيرها.

وعرفت إن بعض الناس ممكن يخسروا فلوس، وبيوت، وسنين من عمرهم. لكن طول ما عندهم القدرة يبدأوا من جديد، مفيش خسارة تقدر تنهي حياتهم. أما أمي، فكانت كل ما حد يسألها عن سر قوتها تقول:

— أنا اتعلمت متأخر إن السكوت مش دايمًا صبر. ساعات السكوت بيخلي الغلط يكبر. من يومها بقيت أتكلم عن حقي.

وكانت دي آخر حاجة اتعلمتها منها: الكرامة مش إنك ما تحتاجش حد. الكرامة إنك ما تسمحش لحد يستغل احتياجك.

عدت الأيام، وورشة الحاجة زينب بقت معروفة في البلد. لكن في صباح يوم، وصلتني مكالمة من أمي. صوتها كان هادي، بس واضح إن فيه حاجة مهمة. قالت:

— أدهم، تعالى لقيت حاجة في حاجات أبوك.

سألتها:

— إيه تاني يا أمي؟

قالت:

— دفتر.

رجعت في نفس اليوم. لقيتها قاعدة قدام صندوق الخشب القديم، وفي إيدها دفتر جلده بني ومتآكل. قالت:

— لقيته تحت قاع الصندوق.

فتحته. كان دفتر حسابات قديم جدًا. صفحات مكتوبة بخط أبويا. إيجارات. مصاريف. ديون. لكن في آخر الصفحات، لقيت مجموعة أسماء. أسماء ناس من البلد. وبجانب كل اسم مبلغ. سألت:

— دول مين؟

أمي قالت:

— ناس أبوك كان بيساعدهم.

قلبت الصفحات. كل شهر كان أبويا بيكتب مبالغ صغيرة لأسر مختلفة. وفي آخر صفحة، كان فيه سطر واحد:

— لو ربنا مد في العمر، نفسي أعمل مكان الناس تتعلم فيه صنعة بدل ما تستلف.

بصيت لأمي. قالت:

— ده كان حلمه.

سكت لحظة. ثم قلت:

— يبقى ننفذه.

لكن أمي هزت رأسها:

— إنت بتفكر في مشروع كبير.

قلت:

— مشروع صغير، بس يكمل فكرته.

وبالفعل، قررنا نخصص جزءًا من الأرض لقاعة تدريب. مش عشان نعمل مشروع ضخم. لكن عشان أي ست أو شاب محتاج يتعلم مهنة يلاقي مكان يبدأ منه. شيرين أصرت إنها تساعد في الإدارة. وقالت:

— أنا عايزة أصلح اللي عملته.

أمي ردت:

— الإصلاح مش كلام.

شيرين قالت:

— عشان كده هشتغل.

وبدأت فعلًا.

بعد شهور، المكان فتح أبوابه. وفي أول يوم، دخلت ست كبيرة في السن، كانت جاية تتعلم الخياطة. بصت لأمي وقالت:

— أنا كنت فاكرة إني كبرت على الشغل.

أمي ابتسمت وقالت:

— أنا بدأت من جديد وأنا أكبر منك.

الست ضحكت:

— يعني لسه في أمل؟

أمي ردت:

— الأمل ملوش سن.

وقفت بعيد وأنا بتفرج عليهم. افتكرت اليوم الأول. اليوم اللي شفت فيه أمي بتدور على لقمة في الزبالة. لو حد قال لي وقتها إن نفس الست هتبقى سبب في تعليم عشرات الناس مهنة، ما كنتش هصدقه. لكن الحياة أحيانًا بتبدأ من أصعب نقطة.

وبعد انتهاء أول يوم، أمي فتحت دفتر جديد. كتبت في أول صفحة: “فلوس ابني أمانة وكرامتي مسؤوليتي.” ثم قالت لي:

— دي أول صفحة.

قلت:

— وآخر صفحة؟

ضحكت وقالت:

— لسه بدري.

وبالفعل، كانت محقة. لأن بعدها بأيام وصل ظرف جديد. المرة دي، لم يكن فيه طلب سداد. كان فيه دعوة رسمية لزيارة المكان، لأن المشروع أصبح مثالًا لمبادرة أهلية ناجحة في القرية. أمي قرأت الخطاب، ثم وضعته جانبًا. قلت:

— مش هتروحي؟

قالت:

— هروح.

— ليه؟

قالت:

— عشان الست اللي كانت بتدور على لقمة في الزبالة لازم الناس تعرف إنها قدرت تبدأ من جديد.

ثم نظرت لي وقالت:

— بس مش عشان يشفقوا عليا.

وسكتت لحظة:

— عشان يعرفوا إن الإنسان لما يقع، ممكن يقوم.

ابتسمت. وفي اللحظة دي، عرفت إن أمي لم تعد مجرد امرأة أنقذتها من أزمة. هي أصبحت صاحبة حكاية كاملة. حكاية بدأت بـ8 آلاف جنيه كل شهر. وانتهت ببيت محفوظ، وحق رجع لأصحابه، ومكان بقى باب رزق لناس كتير.

وأجمل حاجة؟ إن أمي لم تعد تنتظر أحدًا لينقذها. كانت هي نفسها سببًا في إنقاذ غيرها.

بعد شهور من التعب، أُغلقت كل الملفات المتعلقة ببيت الحاجة زينب. الأوراق أثبتت حقها، ومحاولة الاستيلاء على البيت انتهت، وأصبح العقار مؤمَّنًا قانونيًا باسمها. أما شيرين، فكانت قد بدأت بالفعل في رد الأموال التي استخدمتها، وابتعدت تمامًا عن أي معاملات مالية تخص أمها. سامح تحمل مسؤولية أخطائه، وانتهت الأزمة بعد أن تم الاتفاق على تسوية الديون المستحقة وفق الإجراءات القانونية.

أما الحاجة زينب، فكانت حياتها قد تغيرت تمامًا. لم تعد تجلس في العشة القديمة. ورشة الخياطة الصغيرة أصبحت مصدر رزق لها ولعدد من السيدات في القرية، والمكان الذي حلم به زوجها زمان أصبح مركزًا صغيرًا لتعليم الخياطة والحرف اليدوية.

وفي يوم، رجع أدهم من القاهرة. دخل البيت، فوجد أمه جالسة تحت شجرة الليمون. حط أمامها ظرفًا. قالت:

— إيه ده؟

ابتسم وقال:

— الـ8 آلاف بتوع الشهر.

ضحكت وقالت:

— لسه فاكر؟

قال:

— أنساهم إزاي؟ دول كانوا سبب إني أكتشف حاجات كتير.

فتحت الظرف، ثم أعادته له. وقالت:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى