روايات وقصص

بصي وراه ودنو الشمال

— حق إيه؟ انت ليك حق فين؟ جوزي تعب وشقي واشترى الشقة دي بعرقه عشان ابنه.. انت كنت فين وهو بيشقى؟ كنت مسافر وبتقول علينا فقرا ومش بترد على تليفوناتنا.. جاي دلوقتي تقول حقي؟

وكيل النيابة زعق فيه وقاله:

— اسكت.

وبعدين سألني:

— هو كان بيهددك قبل كده؟

قلتله:

— لا عمره ما كلمني.. أنا آخر مرة شفته كان يوم فرحي من تسع سنين.. وبعدها اختفى.

قال:

— طب ازاي عرف مكان المدرسة بتاعة ابنك؟

قلتله:

— من صفحة المدرسة على الفيس بوك.. أنا كنت منزلة صورة لابني وهو لابس لبس المدرسة أول يوم.. وكاتبة اسم المدرسة.. هو شاف الصورة.

ساعتها فهمت إن أنا اللي اديته المعلومة بإيدي وأنا مش واخدة بالي.

وكيل النيابة بص لابني وقاله:

— براحة حبيبي احكيلي هو قالك إيه بالظبط يوم ما اداك البونبوني؟

ابني قال وهو بيعيط:

— قالي أنا كنت صاحب باباك الروح بالروح.. وباباك موصيني عليك.. وقالي باباك كان نفسه يجيبلك عجلة بس ملحقش.. ف أنا هجيبهالك.. بس متقولش لماما دلوقتي عشان أعملهالك مفاجأة.

الأخصائية النفسية قالتلي بعدها:

— الطريقة دي اسمها استدراج عاطفي.. بيستغل إن الأب متوفي وإن الولد مفتقد أبوه.. عشان يكسب ثقته.

الكلمة دي وجعتني أوي.. يعني الواد كان مفتقد أبوه فصدق أي حد يقوله أنا أعرف بابا.

بعد التحقيق.. وكيل النيابة قال إن الأجهزة اللي لقوها دي أجهزة تتبع وتصنت غالية جدًا.. بتتباع على النت بآلاف الجنيهات.. وإنه كان شاري تلاتة.. واحد لزقه ورا ودن ابني.. وواحد حطه في شنطته.. وواحد ركبه فوق باب شقتنا عشان يعرف احنا بنخرج إمتى وبنرجع إمتى.. وكان ناوي يخطف ابني من قدام المدرسة في اليوم اللي أكون فيه في الشغل.. ويطلب مني تنازل عن الشقة. الخطة كانت محبوكة.. وكان بقاله شهر بيراقبنا.

شهر كامل وهو مركب الجهاز اللي فوق الباب وأنا معرفش.. وأنا كل يوم داخلة خارجة وفاكرة نفسي في أمان.

روحنا البيت بعد التحقيق وأنا حاسة إن بيتي مبقاش بيتي.. بقيت كل شوية أبص فوق الباب.. وأبص في شنطة ابني.. وأبص ورا ودنه.. بقيت موسوسة.

ابني مبقاش عايز يروح المدرسة. بقى يقولي:

— افرض الراجل خرج من السجن وجه تاني؟

أقوله:

— مش هيخرج.. ده هيتسجن سنين.

بس هو مكنش مصدق. بطل ياكل.. وخس النص.. وبقى يعمل بيبي على نفسه وهو نايم.. وهو عنده تسع سنين وعمره ما عملها. وديته لدكتورة نفسية. قالتلي:

— ابنك عنده صدمة.. صدمة إن حد استغل طيبة قلبه وغدر بيه.. ولازم ياخد جلسات.

بقيت أوديه كل أسبوع.. وهي تلعب معاه وتخليه يرسم.. ومرة رسم رسمة.. رسم نفسه وهو واقف قدام المدرسة وراجل لابس كاب بيشد إيده.. وأنا واقفة بعيد بعيط. الدكتورة قالتلي:

— هو حاسس إنك مكنتيش موجودة تحميه في اللحظة دي.. فحاسس بالذنب.

قلتلها:

— بس أنا كنت في البيت.

قالتلي:

— هو طفل.. مش فاهم.

بقيت كل يوم قبل ما ينام.. أحضنه وأقوله:

— أنا جنبك.. ومحدش هيقدر ياخدك مني طول ما أنا عايشة.. ولو أي حد قالك أنا أعرف بابا قوله بابا في قلبي.. وماما جنبي.

وبدأ يتحسن شوية بشوية.

أما بقى الحلاق.. فده حكاية تانية لوحده. بعد ما القصة انتشرت في المنطقة.. الناس كلها بقت تروح تحلق عنده.. مش عشان هو حلاق شاطر بس.. عشان هو راجل عنده ضمير. الصحافة راحتله وعملت معاه لقاء.. وسألوه:

— انت ازاي خدت بالك من حتة لزقة صغيرة قد حباية الرز؟

قال:

— أنا حلاق بقالي عشرين سنة.. وبشوف روس أطفال كل يوم.. وعارف لما يكون في حاجة مش طبيعية.. اللزقة دي كانت لون الجلد بالظبط.. بس أنا لما جيت أقص حوالين الودن.. المقص علق فيها سنة.. فشكيت.. ولما بصيت كويس.. لقيتها مش حباية ولا وحمة.. دي حاجة ملزوقة.

وقال:

— أنا مردتش أقول قدام الواد عشان مخوفوش.. ومردتش أقول بصوت عالي في المحل عشان لو الراجل اللي حاططها كان موجود ممكن يهرب.. فقلت لمامته تبص لما تروح.

الراجل ده.. خد مكافأة من وزارة الداخلية.. بس هو مرضيش ياخدها.. قال:

— أنا عملت اللي أي حد عنده ضمير يعمله.

المدرسة بقى.. بعد اللي حصل.. ركبت كاميرات جديدة.. وعملت بوابة حديد.. وممنوع أي طفل يخرج غير لما ولي أمره يمضي.. وممنوع أي حد غريب يقف قدام الباب حتى لو بيبيع بونبوني.

وأم ابني؟ أنا؟ أنا غيرت كل حاجة في حياتي. قفلت الفيس بوك بتاعي.. ومسحت كل صور ابني من عليه.. ومسحت اسم مدرسته.. وعنوان بيتي.. وأي حاجة كنت كاتباها. وبقيت لما حد يسألني:

— ابنك في مدرسة إيه؟

أقوله:

— في مدرسة قريبة هنا ومقولش الاسم.

وبقيت أوصل ابني المدرسة بنفسي.. وأرجع أخده بنفسي.. حتى لو عندي شغل.. بستأذن وأروح أجيبه. أصل الضنا غالي.. ومحدش هيحس بقيمته غير الأم اللي شافت ابنها قدامه جهاز تتبع ملزوق ورا ودنه.

بعدها بست شهور.. اتحكم عليه بسبع سنين سجن. يوم الحكم.. القاضي قاله:

— انت لم تستغل طفلًا فقط.. انت استغليت يتمه.. واستغليت حبه لأبيه الميت.. وهذه خسة لا يغفرها القانون.

وأنا كنت قاعدة في القاعة.. وابني مكنش معايا.. كنت سايباه عند ماما. ولما القاضي نطق الحكم.. عيطت.. مش عشان فرحت إنه اتسجن.. عشان افتكرت جوزي.. وقلت في سري:

— شوفت؟ قريبك اللي كنت بتقول عليه جدع.. كان عايز يخطف ابنك عشان شقة.

روحت البيت.. لقيت ابني مستنيني على الباب. قال:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى