
بصيتله باستغراب:
— ليه؟
قرب أكتر وهمس:
— عشان هو مش الراجل اللي أنا خايف منه.
اتجمدت:
— أمال مين؟
ليو بلع ريقه:
— الراجل اللي كان عارف اسمك قبل ما أنا أعرفه.
إيدي سابت الحاجة اللي كنت ماسكاها من الصدمة. وقعت على السرير. دققت فيها مرة تانية. العلامة القديمة كانت واضحة. نفس العلامة اللي شفتها في ملف قديم جدًا عندي. ملف كنت فاكرة إني دفنته مع أسوأ يوم في حياتي.
فجأة افتكرت. من حوالي عشر سنين، قبل ما أبدأ إجراءات التبني بسنين، كنت دخلت مستشفى بعد حادث حصل في طريقي للبيت. كان فيه طفل صغير وقتها اتنقل للمستشفى في نفس الليلة. ماعرفتش اسمه. وماعرفتش حصل له إيه بعد كده. كل اللي فاكرانه إن كان معاه حاجة عليها نفس العلامة.
لكن مستحيل… مستحيل يكون ليو هو الطفل ده. فرق السنين، والأوراق، وكل حاجة كانت بتقول إن ده مستحيل.
حاولت أقنع نفسي إن التشابه مجرد صدفة. لكن ليو كان لسه واقف قدامي. وسؤاله رجع يرن في دماغي: للأبد؟
فهمت فجأة ليه كان بيسأل السؤال ده أول ما دخل البيت. هو ماكانش بيسأل إذا كنا هنحبه. كان بيسأل إذا كنا هنسيبه.
مديت إيدي للحاجة تاني. ولما قلبتها من الناحية التانية، لقيت حاجة محفورة عليها. رقم. خمسة أرقام. نفس الرقم اللي كنت شفته قبل عشر سنين في آخر ورقة من ملف المستشفى. نفسي انقطع.
بصيت لليو:
— إنت تعرف الرقم ده؟
هز راسه:
— الراجل قالي أحفظه.
— ليه؟
ليو بص ناحية السلم. وبعدين قال:
— عشان لو حصل حاجة أتصل بيه.
في اللحظة دي، سمعنا صوت مفتاح بيدور في باب البيت. جوزي كان لسه تحت. لكن صوت المفتاح كان جاي من الباب الرئيسي. حد كان بيفتح البيت.
ليو مسك إيدي بقوة. ووشه اصفر. وقال:
— هو وصل.
بصيت ناحية باب الأوضة:
— مين؟
ليو ما ردش. لكن قبل ما ألحق أسأله تاني، سمعنا صوت رجل من تحت بيقول:
— ليو، أنا عارف إنك فوق.
واتجمدنا إحنا الاتنين. لأن الصوت ده… أنا كمان كنت أعرفه. الصوت اللي طلع من تحت خلاني أحس إن رجلي مش شايلاني.
كنت واقفة جنب ليو، لكن عقلي كان رجع سنين لورا. صوت الراجل ده… أنا مستحيل أكون نسيته.
ليو شد إيدي أكتر:
— متنزليش.
بصيتله:
— إنت عارفه؟
هز راسه بسرعة:
— هو اللي كان بييجي عندنا.
حاولت أتكلم، لكن صوتي ماطلعش. جوزي ظهر عند آخر السلم:
— في إيه؟
قبل ما أرد، الراجل اللي تحت نادى:
— أنا جاي آخد حاجة تخصني.
جوزي بصلي باستغراب:
— مين ده؟
ماعرفتش أقول. نزل جوزي السلم خطوتين:
— حضرتك مين؟
الراجل رد بهدوء غريب:
— اسأل مراتك.
قلبي وقع. جوزي وقف مكانه وبصلي:
— مراتك؟
طلعت مني الكلمة بالعافية:
— أنا معرفش هو عايز إيه.
لكن الراجل ضحك ضحكة قصيرة:
— لأ إنتِ عارفة.
ليو فجأة جري ناحية باب الأوضة وقفله بالمفتاح. صرخت:
— ليو!
بصلي وهو بيعيط لأول مرة من ساعة ما وصل:
— متفتحيلوش.
قربت منه:
— أنا مش هفتح.
— هو قاللي لو وصلت هنا، هييجي ورايا.
سألت:
— إنت وصلت هنا إزاي؟
سكت.
— مين اللي اختارك للتبني؟
ليو بص في الأرض:
— معرفش.
— مين كان بيقولك إنك هتروح لبيت جديد؟
— الست اللي كانت بتيجي.
— الأخصائية الاجتماعية؟
هز راسه:
— لأ، واحدة تانية.
وقتها بدأت الصورة تتجمع قدامي. يمكن الكيس الأسود ماكانش مجرد حاجات طفل. يمكن حد حط الحاجة دي جواه عمدًا. حد كان عايزها توصل لبيتنا. حد كان متأكد إن أول ما أشوفها هعرف معناها.
قربت من الشباك وبصيت للشارع. الراجل كان واقف جنب العربية. ماكانش بيبص على باب البيت. كان باصص على شباك أوضة ليو. ولما عينه قابلت عيني… ابتسم.
رجعت خطوة لورا. جوزي طلع السلم بسرعة:
— مين الراجل ده؟
قلتله:
— اقفل الباب كويس.
— ليه؟
— عشان هو مش جاي عشان ليو بس.
جوزي بصلي:
— أمال جاي عشان إيه؟
قبل ما أجاوبه، موبايله رن. بص للشاشة. رقم غريب. رد:
— ألو؟
مافيش رد. بس بعد ثواني، صوت الراجل نفسه خرج من السماعة:
— افتحوا الباب.
جوزي قفل المكالمة فورًا. وبصلي بصدمة:
— إنتِ تعرفيه؟
ماقدرتش أكذب:
— أيوه، بس معرفش هو رجع يظهر ليه بعد كل السنين دي.
جوزي قرب مني:
— إنتِ قابلتيه قبل كده؟
هزيت راسي:
— مرة واحدة.
— إمتى؟
بصيت لليو. كان واقف وبيسمعنا. وقلت:
— يوم الحادث.
وش ليو اتغير:
— أنهي حادث؟
ماجاوبتش. لأني في اللحظة دي افتكرت تفصيلة واحدة كنت دفنتها من ذاكرتي. في الليلة دي، قبل ما أفقد الوعي، كان فيه راجل واقف جنب عربية الإسعاف. وفي إيده طفل صغير. والطفل كان لابس نفس الدب اللي لقيته من شوية في كيس ليو.
اتسمرت مكاني. جريت ناحية السرير. مسكت الدب الصغير. وقلبته. فتحت الخياطة القديمة عند ودنه. كان فيه شيء صغير مخبأ جواها. ورقة مطوية بعناية.
فتحتها بإيدين مرتعشتين. كان مكتوب عليها بخط طفل:
“ماما قالتلي لو حصل لها حاجة أدوكي الورقة دي.”
رفعت عيني ناحية ليو:
— ليو، مين ماما؟
وشه انهار. وقال:
— الست اللي كانت بتقوللي طول الوقت إني لازم أنسى اسمها.
سكت لحظة. ثم أضاف:
— بس أنا عمري ما نسيته.
وقبل ما يسميها، سمعنا خبطتين على باب البيت. وبعدين صوت الراجل من بره:
— كفاية لعب. افتحوا لأن الحقيقة لو خرجت بالطريقة دي، مش هتكون في صالح حد.
بصيت لليو وأنا مش قادرة أتنفس:
— اسمها إيه؟
ليو ضم الدب لصدره:
— مريم.
الاسم وقع عليا كأنه حجر. مريم… ده اسمي أنا.
بصيت لجوزي، وهو كان واقف مش فاهم حاجة:
— إنتِ اسمك مريم.
هزيت راسي ببطء:
— أيوه.
ليو قرب مني وقال:
— عشان كده الراجل كان بيقوللي إن الست اللي هتتبناني اسمها مريم.
حسيت الدنيا بتلف بيا:
— بس إنت كنت عارف اسمي قبل ما تيجي هنا؟
هز راسه:
— أيوه.




