
— إنت تعرفه؟
هز راسه:
— أيوه.
— اسمه إيه؟
ليو سكت طويلًا. ثم قال:
— الدكتور.
اتجمدت:
— أنهي دكتور؟
— الدكتور اللي كان بيكشف عليا كل كام شهر.
قلت:
— طبيب الأطفال؟
— لأ.
بصلي بخوف:
— كان بيقول للناس إنه دكتور، بس هو مش دكتور.
دخل جوزي ومعاه اتنين من الشرطة. واحد منهم قال:
— مين المسؤول هنا؟
رفعت إيدي:
— أنا.
وقبل ما أشرح، ليو قال:
— أنا أعرف الراجل اللي بتدوروا عليه.
الشرطي قرب منه:
— تعرفه منين؟
ليو رد:
— لأنه كان بييجي كل مرة عشان يتأكد إني لسه فاكر.
— فاكر إيه؟
ليو بصلي. ثم قال:
— فاكر مكان الورقة.
سألته:
— أنهي ورقة؟
قال:
— الورقة اللي فيها أسماء الأطفال.
سكت الجميع. الشرطي سأله:
— أطفال إيه؟
ليو قرب من الدب الصغير:
— الأطفال اللي اتغيرت أسماؤهم.
سامح وشه شحب. عم يوسف قفل عينيه للحظة. أما أنا، فبدأت أفهم إن الحكاية أكبر بكتير من مجرد طفل اتبنّى.
الشرطي سأل:
— فين الورقة؟
ليو أشار للقبو:
— ورا الحيطة.
نزلنا كلنا. الشرطة قدامنا. وسامح وعم يوسف ورانا. وصلنا للحائط اللي لونه مختلف. جوزي دق عليه. الصوت كان أجوف.
الشرطي قال:
— فيه فراغ وراها.
ليو مد إيده بالمفتاح. حطه في فتحة صغيرة ماكنتش ظاهرة. لفّه. صدر صوت تك. الحائط اتحرك ببطء. وظهر باب حديدي قديم.
فتحت الشرطة الباب. النور وقع على رفوف مليانة ملفات وصناديق. وفي نص الغرفة… كان فيه جهاز تسجيل قديم. وعليه ورقة صغيرة مكتوب عليها:
“إلى مريم، لو وصل يوسف هنا، شغّلي التسجيل قبل ما تفتحي الصندوق.”
بصيت لليو. ثم مدّيت إيدي ناحية الجهاز. لكن قبل ما ألمسه… اشتغل لوحده.
وطلع صوت امرأة. صوت أعرفه. صوت كنت فاكرة إني سمعته آخر مرة من عشر سنين. وقالت:
— مريم، لو إنتِ بتسمعي كلامي دلوقتي، يبقى ابني وصل لك.
ثم سكتت ثواني. وقالت جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي:
— بس يوسف مش ابن خالد وحده، وإنتِ لازم تعرفي مين أبوه الحقيقي.
الصوت خرج من الجهاز، والكل اتجمد مكانه.
— مريم، لو إنتِ سمعتي التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أوصل لك بنفسي.
قربت من الجهاز وأنا حاسة إن رجلي بتترعش. صوتها كمل:
— يوسف ابني، لكن خالد مش أبوه.
جوزي بصلي. سامح نزل عينه. أما عم يوسف فكان واقف ساكت، كأنه كان عارف الجملة دي ومستنيها.
الصوت تابع:
— خالد كان زوجي وأبو الطفل اللي ربّيته بحب، لكنه وافق يساعدني أحمي يوسف من ناس كانوا عايزين يستخدموه لإخفاء الحقيقة.
وقفت فجأة:
— يستخدموه إزاي؟
التسجيل كمل:
— أبو يوسف الحقيقي كان واحد من الأشخاص اللي اشتغلوا في الشركة، وكان يعرف عن الحسابات السرية والفلوس اللي اتسرقت. لما حاول يكشف الحقيقة، اختفى.
جوزي سأل:
— يعني أبو يوسف كان عايش وقتها؟
الصوت قال:
— أيوه.
وبعدين سكتت لحظة.
— لكنه اختفى قبل ولادة يوسف بأيام.
بصيت لليو. كان واقف ساكت، وعينيه على الجهاز.
الصوت كمل:
— مريم، أنا اخترتك لأنك كنتِ الوحيدة اللي رفضتِ توقعي على ورقة مزورة وقتها. عشان كده وثقت فيكي.
بدأت أفتكر. ورقة قديمة. مكتب. رجل بيطلب مني أوقّع. وأنا برفض. لكن الاسم كان لسه مش واضح في ذاكرتي.
التسجيل تابع:
— لو يوسف وصل لبيتك، ما تحاوليش تعرفي أبوه من الأوراق الموجودة هنا. الأوراق دي مجرد دليل.
ثم جاء صوت تنفسها بوضوح:
— الحقيقة الحقيقية موجودة في الصندوق رقم سبعة.
الشرطي بص للرفوف:
— فيه أرقام فعلًا.
جوزي بدأ يعد الصناديق. واحد. اتنين. تلاتة. لحد ما وصل للصندوق السابع. مد إيده. لكن سامح مسكه:
— استنى.
جوزي بص له:
— ليه؟
سامح قال:
— لازم مريم هي اللي تفتحه.
استغربت:
— أنا؟
هز راسه:
— أيوه.
قربت من الصندوق. كان عليه نفس العلامة اللي على المفتاح. دخلته. لكن قبل ما ألفه، ليو مسك إيدي:
— ماما قالتلي حاجة تانية.
بصيت له:
— إيه؟
قالتلي لو الصندوق اتفتح لازم تسألي عن اسم واحد.
— مين؟
ليو بص لسامح. سامح شحب. وقال:
— ما تقولش الاسم.
ليو تجاهله. وقال:
— قالت إن اسم أبويا الحقيقي مكتوب تحت اسم الراجل اللي رباني.
بصيت لسامح:
— إنت تعرف الاسم؟
ما ردش. عم يوسف قال:
— هو يعرف أكتر من أي حد.
الشرطي قرب من سامح:
— هات الاسم.
سامح فضل ساكت. وبعدين قال بصوت منخفض:
— الاسم اللي بتدوري عليه هو نفس الاسم اللي كان مكتوب في تقرير الحادث.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا:
— قول الاسم.
رفع عينه. وقال:
— محمود الشامي.
صرخت من الصدمة:
— محمود الشامي؟!
ده اسم والدي. أبويا. الرجل اللي مات من سنين. الراجل اللي طول عمري كنت فاكرة إنه ماكانش له أي علاقة بالقضية.
بصيت لليو. وبعدين للصندوق. إيدي كانت لسه على المفتاح.
وفجأة فهمت ليه أم يوسف اختارتني أنا بالذات. ليه البيت ده اتجهز لي. وليه ليو وصل عندي بعد كل السنين دي.
لكن قبل ما ألف المفتاح… التسجيل اشتغل مرة تانية. وصوت أم يوسف قال:
— مريم، لو سمعتي اسم محمود الشامي، ما تصدقيش أي حد يقولك إنه مات من غير ما تعرفي الحقيقة كاملة.
اتجمدت. جوزي همس:
— أبوكي مات من سنين.
بصيت للتسجيل. والصوت كمل:
— لأن محمود كان عايش بعد الحادث.
ثم جاء آخر سطر في التسجيل:
— وأنا شفته بعيني يوم أخدوا يوسف.
محدش اتكلم. حتى صوت المطر اللي كان بيخبط على شبابيك القبو اختفى من وداني. كنت ببص للجهاز وكأني مستنية الصوت يرجع ويقول إن اللي سمعته مجرد سوء فهم. لكن التسجيل سكت.
جوزي قرب مني:
— مريم، إنتِ متأكدة إن والدك مات؟
هزيت راسي:
— أيوه.
— إمتى؟
— من حوالي سبع سنين.
عم يوسف قال بهدوء:
— وإنتِ شوفتيه بعد وفاته؟
بصيت له:
— لأ.
الكلمة خرجت مني بصعوبة:
— شفت شهادة الوفاة وحضرت الدفنة.
سامح قال:
— شهادة الوفاة ممكن تتزوّر.
لفيت له بعصبية:
— إنت عايز تقول إن أبويا عايش؟
— أنا بقول إن اللي حصل وقتها مش زي ما إنتِ فاكرة.
الشرطي قاطعه:
— الكلام ده لازم يبقى عليه دليل.
عم يوسف أشار للصندوق:
— الدليل جوه.
لفيت المفتاح. الصندوق فتح. جواه كان فيه ملف بني قديم، وصورة، وفلاشة صغيرة، ومظروف أبيض عليه اسمي بخط واضح: مريم.
إيدي ارتعشت وأنا بمسك المظروف. جوزي قال:




